مقالات

جماليات التّمرّد في شعر الشّهيد شكري بلعيد: التيّمات والدّلالات لمنتصر الحملي

"يرِقُّ لي تمرّدي…فأشتهي تمرّدا حتّى على التّمرّدِ"، هكذا قال أدونيس. وقال أيضا "أندريه بريتون، "عندما يتعلّق الأمر بالتمرّد فنحن لا نحتاج إلى أسلاف". إنّ من كان يعرف شكري بلعيد عن كثب يدرك أنّ حياته وشعره كانا حتّى لحظة استشهاده يسيران تبعا لهاتين المقولتين، وهو ما يتجلى فى قصائده الّتي جُمعت حتّى الآن ونُشرت في ديوان حقّقه الدّكتور شكري المبخوت "أشعار نقشتها الرّيح على أبواب تونس السّبعة". 


 إنّ الشّعر تمرّد أو لا يكون، وهذا ما آمن به شكري بلعيد وجسّمه كأبعد ما يكون في أشعاره. فإذا كان ثمّة تيمة كبرى يمكن أن تختزل جميع أبعاد الكون الشّعريّ للشّاعر الشّهيد شكري بلعيد ومكوّناته فهي في اعتقادي تيمة التّمرّد. إنّها عماده وأسّه وأرومته والحوض الّذي تسبح فيه بقيّة التّيمات أوتتصارع أوتتجاذب أو تتكامل وتتناغم. من التّمرّد ينطلق هذا الكون وينتهي به وإليه يؤول. لكأنّه الشّمس الّتي من حولها بقيّة الكواكب تدور. متمرّد هو شكري في عشقه، وفي رحلته الوجوديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة. متمرّد في انتمائه وفي غربته، في صحوه وغفوته، في قوله وفعله، في انتصاره وحتّى في انكساره متمرّد. تمرّد لا يسير على امتداد قصائده على وتيرة واحدة، بل هو كسمفونيّات بيتهوفن، نازل صاعد، هادئ ثائر، ثاو سافر، ناعم كافر، تمرّد لا تتكرّر إيقاعاته من قصيدة إلى أخرى، ولا يعبّر عن نفسه بذات الأدوات والأساليب والصّور واللّغة والبلاغة. تمرّد متعدّد الوجوه والسّبل والمداخل هو. تمرّد يجعل صاحبه حسب رأينا في مصافّ الشّعراء الحقيقيين، ولو لم تأخذه السّياسة إليها، لكان قادرا على نحت مسيرة شعريّة متفرّدة تؤهّله لأن يكون دون مبالغة أو مجاملة من ضمن كبار الشّعراء في الشّعر العربيّ والشّعر العالميّ على حدّ سواء.
 إنّ محاولتنا التّحليليّة هذه نروم بها الكشف عمّا يختزنه وينطوي عليه شعر شكري بلعيد من شعريّة فائقة وجماليّة عالية تجعلان منه شاعرا متمردا بحق، وإلى أن نستكنه مكامن الإبداع والابتكار فيه بما يجعل وصفنا له بتلك الصّفة قائما على مقاييس من داخل الشّعر لا من خارجه. بتعبير آخر، إنّنا نرنو إلى أن نجليّ هذا الشّاعر الكامن في السّياسيّ، لا السّياسيّ الكانن في الشّاعر، على الرّغم ممّا بين الاثنين من صلات وأواصر ووشائج. وسيكون سبيلنا في ذلك أوّلا التّوقّف عند جماليّة التّمرّد في ديوانه وثانيا استجلاء التّيمات الفرعيّة المتّصلة أو بالأحرى المشكّلة لتلك التّيمة المحوريّة، وثالثا وأخيرا إبراز دلالاتها النّفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة. كلّ ذلك انطلاقا من قصيدة نموذجيّة حسب رأينا هي قصيدة "الخيانات" منفتحين في الآن نفسه على مجمل قصائد الدّيوان.


القصيدة المنطلق
الخيانات ص 70


إلى أين تذهب؟
حطّ الغراب على شجر غائب
غابت الشّمس في أفق ذاهب في السّؤال
إلى أين تذهب؟
كان هنا حلُم وبساط
فتصحو فلا حلُمَ أو بساط
تنسحب الأرض من خطوك
والرّفضُ
والآفلون مع الشّمس ينسحبون
إلى ظلّهم في البعيدْ
هذا شاهد واحد
يمتطي صمته
يستلذّ بدمع الشّهيدْ.
إلى أين تمضي؟
وأيّ زمان هو الوقت حتّى تؤرّخ للرّحلة القادمة؟
ها قد نسيَت يداك تفاصيل وجهكَ
ها قد شربوا من عيون دمائك حتّى استطابوا
ثمّ انتهيتَ غريبا بينهُمُ.
قددتَ لهمُ من عيونك موجا ومن جمرات اللّيالي
قناطرَ فليعبروا.
ما تبقّى من الحلْم ليس يعَلّلُ عصفورة أو بنفسجة واحدة
آه! عشرُ مضت دون حلم صغير
ولا ضحكةٍ واحدة
عشرُ مضت تغزل العمر فيها
تؤسّس الأغنيات
وتشحذ روحهم..
ما لِنْتَ لكنّهم في الخيانة ها وقفوا
نسجوا حقدهم بعناية عشقك
كنت تظلّلهم بجراحك
ترمي عليهم جنونك
كانوا يخونونك
الغدر يقطر من دمهم
فتسحب عمْرك من ظلّهم
تعود إلى أوّل المشهد الدّمويّ
تبوس تراب العيون
وتبكي على نارك المطفَأة.
كنتَ حارسهم، صقرهم
حامل سرّ السّنين
تعود وتبكي وتسكَرْ
تجوب ما ضاع من عمرك البكرْ
منطفئا مثل ليل بهيم.
إذن هي روحك الكافرة (بمعنى الرّافضة المتمرّدة).
إلى أين تذهب؟
كلّهم وقفوا في الخرابِ
يشدّون رَحْل السّفينة نحو الخرابِ.
إلى أين تذهب؟ وكلّ الّذي قد حلُمْتَ تكسّرْ
والدّمُ ساحْ
حتّى بقيتَ وجها لعمْر الجراحْ.
"كأنّ خمرتَنا رديئة"
اشرَب نبيذك كاملا
وفي اللّيلة الماكرةْ
أعدُّوا لكَ ما استطاعوا من الوقت والشّعر
وقطراتِ النّبيذِ المعتّقِ.
تمسك كأسك بين يديك
فتنهار في فمها كأسها الحائرةْ
وقالت أتوب… أتوب… كيف أتوبُ
هي توبة فاجرةْ.
سلام إذن
حينما نهَشَت من دمي برقَه
وانتشت بذبول العيونْ.


1 – جماليات التّمرّد أو القيمة الجماليّة لموضوعة التّمرّد:


 من نافل القول إنّ الجمالية هنا تختلف عن الجمال، فالجمال – كما جاء تعريفه في المعجم الوجيز – صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضى، وهو اسم عكس القبح، ولكن الجمالية شيء آخر أكثر عمقاً ويمكن الاستدلال عليها عبر مجموعة ملامح وصفات بعينها تصف شيئاً ما، فلكل شيء جماليات وإن اختلفت في نسبيتها ولكنها موجودة، حتى القبح ذاته له جماليات، ومن جماليات القبح الإجادة في إظهاره كقبح وليس شيئاً آخر.
 فكيف يتم الكّشف عن هذه الجمالية في الشّعر؟ الجواب يقدّمه حسن ناظم كما الآتي : "مادامت الجمالية كامنة في العمل الأدبي وحده ، فإن الوصف ـ كخطوة أولى ـ هو الطريق الصحيح" ( ). فطالما قيمة العمل تتجلى في بنيته ، فإن القبض على جماليته تكون بالقبض على السمات البنيوية التي تشكله. فقد أصبح "من الحقائق التي لا يرقى إليها الشك اليوم ، أنّ الحكم التقويمي على عمل ما مرتبط ببنيته"( )، وهذا لا يعني طبعا الاكتفاء بوصف العمل الأدبي فقط ، إنما يجب البحث عن علاقة عناصر النص بعضها ببعض ، وما أنتجه وكيفية اشتغالها مع بعض في شبكة من العلاقات.
 حينئذ فإن مبحث الجمالية هو جزء لا يتجزأ من مسألة الشعرية، أي وفق تعبيررومان ياكبسون، "ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا"(30)، وأعاد صياغة الفكرة نفسها في موضع آخر متسائلا: "ما هو الشيء الذي يجعل من رسالة لغوية ما عملا فنيا؟"(31).
Roman Jakobson : Huit questions de poétique, Collection Poelats, 1977, p16 وبعبارة أوضح يؤكد ياكبسون هذه الفكرة بقوله: "إن موضوع الشعرية هو ، قبل كل شيء ، الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثرا فنيا"( ). فما الّذي يجعل من رسالة شكري بلعيد المتمرّدة أثرا شعريّا؟ وبما أنّ التمرّد كان جانبا مهيمنا فى رحلته الحياتيّة والسّياسيّة، فهل حقّق الشاعر التوازن بين الجمالى والسياسيّ حتى لا يطغى الثّاني على الأوّل فتتحول القصيدة إلى منشور سياسيّ؟

 

أ – جماليّة البناء في القصيدة: 


 – البناء الرّوائيّ: تقوم هذه القصيدة وتنبني على الجمل الفعليّة الّتي يقتضيها البناء السّرديّ. وقد راوح فيه الشّاعر بين السّرد (الإطار الزّمكانيّ – سرد الأحداث– تعدّد الشّخصيات) والوصف والمونولوج والحوار بنوعيه المباشر والمسرود.
 – المزاوجة بين الغنائيّة (الأنا هي محور القصيدة) والنّفس الدّراميّ (مفهوم الرّحيل وانكسار الذّات في محيط يعاني من الانحطاط القيميّ)، والنّفس الصّوفيّ (الرّحلة في الذّات بحثا عن الحقيقة، الخمرة باعتبارها جسرا لاستبطان الذّات، الدّم باعتباره قربانا للحلول) بين الذّاتي (عالم الشّاعر النّفسيّ) والموضوعيّ (الآخرون في الواقع).
– المراوحة بين الضّمائر (أنت، هم، نحن، هي)
 – المراوحة في الأزمنة بين الذّاكرة (عشر مضت تغزل العمر فيها، تؤسّس للأغنيات، وتشحذ روحهم) والمعيش (تعود وتبكي وتسكر)، بين الماثل (هنا شاهد واحد) والغائب (كلّ الّذي قد حلُمْت تكسّر)، بين الحاضر (الأفعال في صيغة المضارع) والماضي (الأفعال في صيغة الماضي) والمستقبل (الأفعال في صيغة الأمر.
 – المراوحة في سجلاّت القول بين الحنين (عشرُ مضت تغزل العمر فيها..تؤسّس الأغنيات..وتشحذ روحهم..) والأنين (آه! عشرُ مضت دون حلم صغير، ولا ضحكةٍ واحدة)، )بين النّشوة والنّقمة، بين الانكسار والانتصار، بين سجل الماء وسجل التراب وسجل النار وسجلّ الهواء، بين السجل الطبيعي والسجل البشري، بين سجل الخيانة وسجل الأمانة، بين سجل الحبّ وسجلّ الكره.
 – المراوحة في أساليب القول، بين الخبر والإنشاء الطّلبيّ منه على وجه الخصوص، (بين الاستفهام والنّداء والأمر)، 
ب – جماليّة الموسيقى والإيقاع :
 – جماليّة الإيقاع الخارجيّ : التّكرار (للألفاظ ولبعض التّراكيب – اللاّزمة (إلى أين تذهب؟) – التّنويع في القوافي من مقطع شعريّ إلى آخر. 
 – جماليّة الإيقاع الدّاخليّ : التّقديم والتّأخير ("والآفلون مع الشّمس ينسحبون")
 التوازنات اللفظية ( غائب…..ذاهب/ البعيد….السعيد/ وقفوا….نسجوا/ ماكرة، حائرة، فاجرة)
ت – جماليّة البلاغة الشّعريّة
 – جماليّة الاستعارات : تمثل الاستعارة الأداة البلاغية الأساسية التي وظفها الشاعر في قصيدته هذه وكذا في مجمل قصائد ديوانه. ومن المعلوم أن الاستعارة كما عرفها عبد القاهر الجرجاني في "أسرار البلاغة" هي استعمال لفظ في غير ما وضع له في الأصل. وهي أنواع كثيرة حددها البلاغيون حسب حضور المشبه به من عدمه كالتّصريحيّة والمكنيّة والمرشّحة. ولكنّنا سنتوقّف عند أنواع أخرى هي: 


– الاستعارة الفعليّة : " حينما نهَشَت من دمي برقَه"
– الاستعارة الاسميّة : (هي توبة فاجرةْ)
– الاستعارة بالنّعت : (شجر غائب) (كأسها الحائرة (
 – إن للاستعارة فعاليّة شعريّة هامّة في شعر شكري بلعيد، فهي تسم الملفوظ بقدرة فائقة على إنشاء علاقات جديدة بين الأشياء والذّوات. وهي علاقات من شأنها الخروج عن المألوف والمعقول والمنطق بما يرسّخ القول في صميم الإبداع الشّعري. 
– الانزياح : 
 – لقد اعتبر جون كوهين " الشعر (انزياحا) عن معيار هو (قانون اللغة)، فكلّ صورة تخرق قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها تُعتبر انزياحا" أو انحرافا شعريّا. وقد تبيّن لنا أنّ الشّاعر شكري بلعيد أتقن هذا الأسلوب ونوّع منه إلى حدّ الإبداع كما توضّحه الانزياحات التّالية : 
– الانزياح التّنافري: "هي توبة فاجرة"
 – الانزياح الدّلاليّ: "قددت لهم من عيونك موجا ومن جمرات اللّيالي قناطر"
– الانزياح النّحويّ: "نسجوا حقدهم بعناية عشقك"، "يمتطي صمته"
 – الانزياح الإضافيّ: "ها قد شربوا من عيون دمائك حتّى استطابوا"، "تبوس تراب العيون"
 – الانزياح التّركيبيّ: "تنسحب الأرض من خطوك والرّفض": تأخير المعطوف وتقديم المفعول فيه للمكان. "والآفلون مع الشّمس ينسحبون": تأخير الفعل "ينسحبون" وتقديم الفاعل "الآفلون".
 ث – جماليّة الصّورة الشّعريّة : " كنت تظلّلهم بجراحك، ترمي عليهم جنونك، كانوا يخونونك، الغدر يقطر من دمهم، فتسحب عمْرك من ظلّهم، تعود إلى أوّل المشهد الدّمويّ، تبوس تراب العيون، وتبكي على نارك المطفَأة."


 يا له من توظيف إبداعيّ جميل للّغة والبلاغة العربيّتين استعارة ومجازا وتركيبا، ويا له من خيال بديع وأنيق وعالي يحمي القصيدة من الوقوع في النمطية والتقرير والمباشرتيّة، خيال يحلِّق بنا، رغم مرارة المعنى ووجع الصّورة، في الآفاق الرحبة للقول الشّعريّ تذوّقا وتأويلا وتدبّرا. هكذا يخلق الباثّ صورة حركيّة حيّة لا فقط من خلال الانزياح أو العدول باللّغة عن مرجعيّتها وعن العلاقة المباشرة بين الدّالّ والمدلول (تظلّلهم بجراحك)، بل كذلك من خلال هذا التنّوع الأسلوبيّ الّذي بيّنّاه حين تحدّثنا عن أساليب القول في البناء الشّعريّ. كلّ ذلك ليعبّر الشّاعر عن مكنوناته وعن عذاباته وليشرّك القارئ في عمليّة الإبداع الشّعريّ. ومن ثمّة، جمعت الصّورة الشّعريّة في قصائد بلعيد عموما بين وظيفتين اثنتين، أولاهما توليد اللّذّة، لذّة الشّاعر في الخروج عن المألوف في اللّغة وبها من خلال ترك اللوّغوس Logos أيّ العقل والاعتماد على الخيال ، ولذّة المتقبّل حين يستمتع بهذا الخيال الّذي أخذه إليه الشّاعر Eros. وثانيتهما وظيفة توليد المعنى، فالصّورة الشّعريّة بتوظيفها للاستعارة والمجاز تعبّر هنا عن معنى واقعيّ معيش على المستويات الذّاتيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، هذا المعنى هو ما سنحاول إجاءه لاحقا.

2 تيمات التّمرّد انطلاقا من القصيدة وانطباقا على مجمل الدّيوان:


تمثل التّيمات التّالية المستخرجة من هذه القصيدة أكثر التّيمات تكرارا وتواترا في مجمل قصائد هذا الدّيوان كما ستبيّنه الاحصائيات التّالية، علما أنّ 7 قصائد فقط من مجموع67 قصيدة يحتضنها الدّيوان لا تتوفر فيها ولو تيمة واحدة من هذه التيمات التي سأذكرها الآن حسب ترتيب ورودها في النص.
1 – السؤال: (تكرّر 700 مرّة في الدّيوان) سواء باستعمال اللّفظة في المفرد أو الجمع أو عن طريق الجملة الاستفهاميّة (يتجلّى السّؤال في هذه القصيدة وأيضا في أغلب القصائد الأخرى في شكلين، الأوّل باستعمال الفعل سأل في صيغ صرفية وأزمنة مختلفة وفي حالتي المفرد والجمع أمّا الثاني فبطرح مباشر لسؤال أو مجموعة من الأسئلة. واللاّفت للانتباه أنّ حضور الاستفهام في شعر بلعيد حضور طاغ ويكاد يكون ماثلا في جميع قصائده. وجاءت هذه الاستفهامات في سياقات مختلفة منها ما يعبّر عن الحيرة ومنها ما يعبر عن السخط والغضب وأخرى تعبّر عن الحثّ والتّحريض وبعضها عن الإنكار أو اللوم والعتاب، ولكنّها في أغلب الحالات تعبير عن رفض الواقع المعيش ومدخل أو نافذة للإطلالة على المحلوم به والمنشود. 
 – السؤال في شعر بلعيد فاتحة التّمرد، بوابة الرفض، لأنّه في القصيد يعبّر عن الضّيق وانسداد الأفق وعن رفض الشّاعر لهذا المآل.
 – السؤال علامة على حيوية فكر الشّاعر واشتغال العقل (الأسئلة الصّعبة ص 87)
 – السؤال مراجعة لا تكفّ للذات في كل محطات رحلتها، تقويض للثوابت والمسلمات واليقينيات وخلخلة للمرجعيات المنغلقة (السّؤال الحرام ص 18 – وسؤالا حرام ص 41) 
 – والتنويع في الأسئلة يخرج السرد من رتابته ويضفي على القصيدة حركية ودينامية
 – السؤال صنو القلق والقلق حيرة والحيرة سفر دائم نحو ما لا يجيء، نحو الحلم (سؤال الحيرة الملازمة ص 118 – الأسئلة الحائرة ص 147

 

2 – الحلم :

700 مرّة في الدّيوان – أحلام فرديّة وأحلام جماعيّة – الحلم إبقاء على إنسانية الإنسان وما به يتميز عن الحيوان ويتفرد (حلم الرّؤية والألفاظ ص 90)- الحلم روح الشعر وملهم الشاعر، لولاه لما كان هناك إبداع ولما ظلت الإنسانية على قيد الحياة (في الحلم متّسع للمدى…في الحلم متّسع للقصيدة ص 98 )- الحلم في محيط الشاعر محرَّم، ممنوع دينيا لأنه وسواس من الشيطان وكفر بالأقدار، الحلم نجس ورجس بما هو ارتفاع بالإنسان الحالم إلى مرتبة الألوهية، بما هو خلق، إذ يهدم كونا ويصنع أكوانا، يعيد تشكيل العالم (دمي يعلو على دمي حلمَ سحاب…حلما على حلم القيامة ص 159). وهو مرفوض اجتماعيّا حين لا ينضبط إلى العقلية المهيمنة وإلى السقف الذي تفرض الطبقات المسيطرة على بقية الطبقات أن تبقى تحته إلى الأبد، حلم الرفاهية المادية، الثروة والسيارة والاستهلاك المفرط والفخامة الشكلية الخ. …..بل يصير الحلم جريمة يعاقب عليها القانون حين يروم الحالم إلى تغيير العالم، حين يتحول إلى قوة لإعادة تشكيل الواقع من جذوره (كم سنة يقتاتون من دمك..ويصادرون الحلم والموت الجميل والشّهيد؟ ص 178) .
 – الحلم في شعر بلعيد معانقة الذات للموضوع، صياغة جديدة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الشاعر الباث والقارئ المتلقي، تشريك لهذا الأخير لا فقط في تذوق ذاك العالم المحلوم به جماليا بل أيضا في السعي إلى تفعيله على أرض الواقع. هذا هو الفرق بين الشاعر الرومنسي والشاعر الثوري الملتزم (وانتهِ في حلمنا المفتوح للآفاق ص 153). 
 – الحلم إذن أداة شديدة الفعالية في مواجهة الواقع وتحويله وفي تخفيف وطأة الشعور بالغربة والاغتراب. هو عنوان التمرد والخروج من حصار الواقع المتردي الجاثم بكلاكله على روح الشاعر (حلم القيامة ص 58 – حلم الفتى المهدور ص 74) . 
3 – لفظة الرّفض ومرادفاتها: (تكرّرت 600 مرّة في الدّيوان) سواء في صيغة المصدر أو بما يشاكلها من مفردات (انهض – قاوم)
4 – الشّهيد : ( 166 مرّة في الدّيوان)، سواء باستعمال اللّفظة ذاتها مفردة أو جمعا أو بما يضاهيها في المعنى (المقتول – القتيل)
5 – الرّحلة والرّحيل : (766 مرّة في الدّيوان) (الرّحلة في بعديها الوجوديّ الفرديّ والاجتماعيّ الجماعيّ)، يجذّر الشاعر نفسه وشعره في تراثه الثوري باعتباره امتدادا للشعراء الصعاليك وانتمائه إلى رحلة الأحرار عبر التاريخ من أجل القيم الإنسانية السامية والخالدة (يا امتداد الفتى العربيّ الأصيل ص 126 – أيّهذا الفتى، لا تنمْ ص 60).
 – غالبا ما يقترن حضور مفردة الرّحلة أو الرّحيل في قصائد شكري بلعيد بسياق البحث عن عالم جديد، أي بالحلم. كما تقترن صورة الشاعر في هذه الرحلة بصورة الفتى كما رسمها الشّعراء خاصة منهم الصّعاليك في شعرهم قبل الإسلام، الفتى العاشق للحياة، الرّافض لقيم القبيلة، المؤمن بقيم إنسانية بديلة، المدافع عن المحرومين والمضطهدين والمنبوذين (ثمّ نمضي صعلوكين، تمرّدا على وحدة القبيلة ص 119). وإذا كان أولئك الصعاليك قد أشهروا السّيف إلى جانب الشّعر في وجه أغنياء قبائلهم فإنّ الشّاعر شكري بلعيد قد تأبط خلال رحلته تلك شعره وأشهر في وجه ممثلي الأنظمة القائمة وحرّاسِه حلمه (وأنا فارس الرّفض ص 127). حتّى الموت في سبيل الحلم ما هو إلاّ رحلة خالدة ( قم، أنت جسر الرّؤى بين ملحمتين من شبق الخيل في الرّحلة الخالدة، ونشيد الصّباح ص 167)
6 – فعلا مضى وذهب : ( 711 مرّة في الدّيوان) تكرّرا في صيغتي الخبر والإنشاء الاستفهاميّ، وعبّرا عن الضّيق بالموجود أو البحث عن المفقود أو السّعي إلى المنشود.
7 – الغريب : (711 مرّة في الدّيوان) (المكانة المركزيّة لمعنى الغربة في شعر بلعيد)
 يمثّل الشّعور الرّهيب والمأساوي بالغربة في هذه القصيدة الحافز النفسي الذي دفع الشاعر إلى البحث عن عالم آخر تنتفي فيه دوافع الغربة من خيانة وقسوة وتخاذل وتواطؤ. ولئن عبّر الشّاعر هنا عن سخطه على بعض المقربين منه ممّن خذلوا حلمه في ساعة غير محدّدة نصّا، مشاركين بذلك أعداءه في تعميق شعوره بالغربة، إلا أنّه في أغلب الأحيان يعبّر بلسان قلمه عن غربة جماعية واجتماعية، تطال كل المهمومين مثله بتغيير الواقع والعالم. وهي غربة تتحول حين يشتد عليه وطء الواقع البغيض إلى اغتراب ذاتيّ ومكانيّ وروحيّ ووجوديّ. بيد أنّ الشاعر لا يستكين أبدا حتى في أقصى حالات غربته إلى اليأس والانطواء، ولا يتوقّف أبدا عن سعيه إلى عالم أفضل، كلّفه ذلك ما كلّفه. فكم طريف ومبدع هو هذا المزج بين المعاني والمشاعر الفردية الرومنسية المتمرّدة (الرحلة الوجودية نحتا للكيان، الغربة الخلاقة، البحث عن الذات في عالم يسحقها…..) كما برزت عند الشّعراء الرّومنطيقيين وبين الأبعاد الواقعية والاجتماعية والطبقية الماثلة في الكون الشّعري لشاعرنا.
8 – الجنون : ( تكرّر اللّفظة 58 مرّة في الدّيوان) 
 يقول الشّاعر في هذه القصيدة "ترمي عليهم جنونك". فوردت لفظة جنون في سياق يصف فيه الشّاعر الحبّ الّذي كان يكنّه لجماعة غير محدّدة في النّصّ، فحملت في ارتباطها بفعل "ترمي" معنى الانطلاق والتّحليق والحرّيّة. ولو نبشنا في كافّة القصائد عن حضور هذه اللّفظة وعن سياقاتها وعن مدلولاتها لتبيّنّا أنّها وظّفت ما عدا مرّة واحدة (جنون القبائل ص 171) في سياق إيجابيّ هو التّمرّد على الواقع المتردّي وعلى قوانينه الجائرة والإتيانُ بسلوك وقيم وأفكار مغايرة تماما له. إنّه جنون الشّعراء والعشّاق الرّافضين للقمع والعبوديّة والكبت وأخلاق العبيد الحالمين بالحريّة والانطلاق في العوالم الرّحبة للفكر والحياة والجمال والإبداع. هذا ما عبّر عنه الشّاعر ص 133 في المقطع الأخير من قصيدة "مرثيّة القاتل الّذي قد يموت" قائلا "الجنون هو الخاتمة…هو البدء والانتشاء…هو ما يليق بحزني العظيم…هو جوهر الرّوح…حين يصوغ دمي نشيدَ انفصالي الأخير….ومرثيتي السّابقة". 
 جنون هي الحرّيّة إذن في عالم مستعبَد، وجنون ما نقرأه هنا من توقّع الشّاعر استشهاده في سبيل الحرّيّة.

3 دلالات التّمرّد:


لو أعدنا الآن تنظيم التّيمات وفقا لنسبة حضورها في القصيدة وفي الدّيوان عموما لتحصّلنا على التّرتيب التّالي: 1- الرحلة والرحيل 2- الغربة 3- السؤال والحلم 4- الرفض 5- الجنون 6- الشّهادة 
 رحلة وجودية وفكرية وحضارية وسياسية إذن هي قصائد الشهيد شكري بلعيد، رحلة من الذّات نحو الذات، ومنها نحو الآخر، وبها إلى العالم الموضوعيّ وفيه. رحلةُ أو مغامرةُ رجل شعُر وظلّ يشعر بغربة حادة واغتراب شديد في مجتمعه المحلّيّ والعربي والكوني. بدأت الرّحلة بالسؤال والتسآل عن مشروعية هذا الواقع وعن مبررات استمرار وجوده على ما هو عليه من قبح وانحطاط واستلاب وتفكّك وتدهور شامل، وعن منزلة اﻹنسان عموما والفقراء خصوصا في هذا الوجود، وانتهت بالموت شهيدا. وما بين الفاتحة والخاتمة، ما بين البداية والنهاية، ما بين إعادة بناء الذات تساؤلا والموت استشهادا ظلّ الشاعر يحمل قلقه في قلمه، وقلمه في قلقه ويحلم بتحويل العالم، رافضا الخضوع والقنوع والقبوع والاستكانة والمهانة والانخراط في منظومة القيم البالية والمنظومات السياسية والثقافية والفكرية والدينية السّائدة، فكان أشبه ما يكون بشعراء العشق المجانين في حبّه لبلاده، وفي استماتته واستمراره حتى آخر حرف في ديوانه وآخر رمق في حياته في التعبير فنيا عن آمال الفقراء وآلامهم، وعن نشدانه لعالم إنساني أفضل يقوم على العدل والمساواة والحرية والتّضامن والكرامة، عشقا ورفضا دفع ثمنهما باهضا، هو ذات الثّمن الّذي صوّره وتغنّى به في الكثير من قصائده، أي الشّهادة.
 يبدأ تمرّد شكري بلعيد فلسفيا بالسّؤال والتّسئال، بالنّظر وإعادة النّظر، في كلّ ما يحيط به من مسلّمات، ويأخذه السّؤال إلى الشّكّ في الكثير من الثّوابت والقوانين والمرجعيات ومن ثمّة يرفض الاعتراف بها ويتمرد عليها في ذات الوقت الذي يبني فيه شعريا عالما يضج بالحياة والحرية والجمال والسعادة. (صحو ص 18 – ومقطع رقم 7 ص 85)
 ومن الواضح أنّ الشّعر عند شكري كان أداة كشف وتعرية لكلّ ما في داخله وما حوله أو خارجه، أي الدّاخل النّفسيّ والخارجيّ الموضوعيّ، وكانت تقف وراء ذلك رغبة قويّة في المجابهة والتّمرّد على كلّ الأكاذيب والأوهام والأفكار الجاهزة والأنظمة السّائدة. لقد كان الشّعر عنده أداة مكاشفة وتعبير عن اختلافه وتفرّده كذات شاعرة من جهة (لك ما لك ص 58) وعن ثورته واحتجاجه ضدّ الفقر والجوع والحرمان والقمع السّياسيّ والخرافات المعشّشة في عقائدنا الدّينيّة وتخلّف المجتمع وكلّ ما من شأنه أن يقيّد إنسانيّة الإنسان ويحدّ من حرّياته الفكريّة والثّقافيّة والسّياسيّة وحرية الضمير وغيرها.(صحراء ص 124).
 في وجه الرداءة والبداهة والبذاءة الشّاملة في تونس زمن الدكتاتوريتين وفي الوطن العربيّ، وفي تحدّ لكلّ ما ومن يهين الطّبقات الكادحة وإنسانيّة الإنسان، وتجاوزا للغربة والاغتراب أو مناورة لهما، ونحتا لإقامته المبدعة في رحلة عمره نحو التّحرّر الذّاتيّ والاجتماعيّ معا، يتسلّح الشّاعر المتمرّد بسلاحيْ كلّ شاعر حرّ، ألا وهما الحلم والجنون. الحلم بغد أفضل يصير فيه الكون شعرا ويكون فيه الشّعر كونا، والجنون الرّافض للاستسلام والخضوع والرّضى والقنوع والقبول بالأمر الواقع. فأيّ مصير آخر لشاعر تجتمع فيه الغربة بالحلم بالجنون بالعشق بالرّفض بالاحتجاج غير ما آل إليه ابن المقفع والحلاج وحسين مروة، ولوركا وغيرهم في محيط يعادي الشّعر والحرية والحلم والجنون ومراجعة اليقينيات والمسلّمات والمرجعيات الظلاميّة بل يتمعّش فيه البعض من التّجارة بها؟ 
 هكذا، أبانت قراءتنا للكون الشّعريّ للشّهيد شكري بلعيد عن شاعر يكتب ما يعيش بلغة الشّعر، ويعيش ما يكتب بلغة السّياسة. فكما كان في حياته خطيبا بارعا وسياسيّا ماهرا ومتكلّما ساحرا ومتمرّدا سافرا، كان كذلك في شعره. ولكنّ شكري بلعيد الشّاعر لم يؤرّخ لرحلته الوجودية والسّياسيّة القصيرة بأدوات الخطاب السياسيّ بل بما يقتضيه الشّعر من جماليّة وأدبيّة، أي بأدواته المخصوصة، فصحّ فيه القول إنّه كان يغنّي خارج سرب الشّعراء، فأخذته السّياسة إلى مصافّ السّاسة الزّعماء، ومنها إلى رتبة الشّعراء الشّهداء.
المصدر:
 – شكري بلعيد، أشعار نقشتها الرّيح على أبواب تونس السّبعة، منشورات الاتحاد العام التونسي للشّغل. تحقيق الدّكتور شكري المبخوت.
المراجع
 – رومان ياكبسون ، قضايا الشعرية ، تر محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال ، المغرب ، 1988، ص24.
 – طودوروف، الشعرية، تر شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال، المغرب. ص 83.
 – حسن ناظم ، مفاهيم الشعرية : دراسة في الأصول والمنهج والمفاهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994 (الطبعة الأولى). 
 – جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، تر محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، المغرب، 1986.
 – ماهر دربال، الصورة الشعرية في ديوان "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى