مقالات

كيف غيرت “هـوليود”قيم العالم؟ حسني عبد الرحيم

قرن من الزمان تقريبا منذ خروج الاختراع السحري ألحديث "ألصورة المتحركة"التي أصبحت السينما ثم التلفزة وخلال هذا ألقرن أنتقل ألعالم من حال إلى أحوال وانهارت إمبراطوريات استعمارية قديمة وتكون لأول مرة"الاقتصاد العالمي"وبورصة نيو يورك للأوراق ألمالية -"والستريت" -وبورصة "شيكاجو" للبضاعة ألحاضرة وبورصات أخرى تدور في فلكها ،وتحررت ألمستعمرات ألسابقة لكى تشكل دول لا هي بقومية ولا هي بمستقلة ،وجرت حربين عالميتين أنتصر فيهما تحالف تسيطر عليه ألولايات ألمتحدة الأمريكية-آخر الأمبراطوريات ألرأسمالية- وقامت ثورات لم تفي بوعودها فعادت من حيث ابتدأت بعدما اقتربت من تحقيق التراكم ألبدائي للمعرفة ألعلمية ورأس ألمال!أوربا ألتي سادت العالم منذ القرن الثامن عشر خرجت بعدما حررتها ألقوات الأمريكية من ألنازية تابعة للولايات ألمتحدة وأصبحت" نيويورك" وليس "لندن" ولا "باريس" هي قبلة ألعالم ألجديد ،وأصبح ألدولار(الأخضر)هو عملة ألعالم الحر وأصبح الكاوبوى هو فارس ألعالم ألمعاصر !لم يأتي ذلك من فراغ ولَم تفرضه يد إلهية !إنه نتاج ثلاثة قرون من ألتراكم ألرأسمالي المتواصل والذى حان وقته لينتقل مركز ثقله للعالم ألجديد!القرن العشرين هو ألقرن ألأمريكي وفيه سادت ألرأسمالية ألعابرة للقارات والتى مركزها "نيويورك" و"شيكاجو" و"وادي ألسيلكون" ومرتفعات "بڤرليهـيلز"!إنه عالم الإنتاج ألسلعي المعمم الذي لا تعترضه أهرامات مصر ولا سور ألصين ألعظيم !إنه ألعالم المعولم ..

 

"عولمة ألعالم " تحت الإمبراطورية ألرومانية لم تشمل سوى جزء من ألعالم ألقديم !وعندما كان "الإسكندرالمقدوني " يتعمد في معبد آمون ليؤسس عاصمة لإمبراطورية عالمية على البحر المتوسط (ألإسكندرية)كان تحدوه ألفكرة الأرسطية لعالم موحد لكنه لم يستحوذ إلا على ألقوة ألعسكرية وتعوزه ألوسائل "ألتكنو-سيانس" والتي تستطيع ألإمساك بهذه ألأطراف ألشاسعة بشعوبها وقبائلها ونحلها!وعندما تمدد الإسلام عالميا كان يمتلك ألقوة ألعسكرية والديانة ذات ألطابع ألمتجاوز للملل والنحل ألمحلية ولكن تعوزه هو الآخر قوة ألدمج فتحلل بعدما توحد عالمه القروسطي ألإمبرياليتين الإنجليزية والفرنسية كانتا خطوة أولية تمتلكان بجانب قوة ألمدافع شهوة ألسلعة! لكن لم تكن عملية تطور ألعلم ألتقني فى أوجها لكى تجعل ألعالم قريتنا ألصغيرة كما عاصرنا في خلال ألقرن الأمريكي!.

 

تطورت ألسيارات والطائرات ألتي تسبق سرعة ألصوت والكهرباء والقطارات المكهربة فائقة السرعة ثم الطاقة ألنووية وأخيرا الشبكات الإلكترونية والإنتاج الآلي للسلع والتعميم ألقياسي للمنتجات جعل توحيد ألعالم ممكنا من ألناحية الموضوعية،وكانت حربين عالميتين ضروريتين لكي يتحدد "ألسيد" ألجديد في "ألعالم الجديد" نمت رأسمالية دون عوائق إقطاعية بعد القضاء على ألشعوب الأصلية وتطورت عبر هجين من السكان الذين أتوا من كل مكان بروح ألمغامرة والاختراع وخلال ألقرن الماضي أضحت غالبية الاكتشافات ألعلمية من إنتاج أمريكي والتنظيم ألصناعي(الفوردية والتايلورية)كذلك،وكانت ألمحاولة السوڤيتية للخروج من ألنظام هى جملة إعتراضية على سياق تاريخي مترابط و كامل ألأوصاف أنتج فى النهاية "العولمة الأمريكية" !والتي لم تكن مسلحة بالسلع ألوفيرة ولا بالأسلحة ألنووية فقط بل أيضا بمنتج سحري غير مادي "ألسينما" وملحقاتها من ألصور المتحركة والمسموعة..

 

فى صحاري" كاليفورنيا" كانت عملية هائلة للإنتاج غير ألمادي تجرى في" هوليود" لتنتج خلال قرن من الزمن يزيد عن مائتي ألف فيلم سينمائى عمل فيها ملايين ألناس من تقنيين وفنانين وكتاب ومروجين وأنشأت في كل مكان عبر ألمعمورة معابد (دور عرض ) لعرض المخيال السينمائى الأمريكي بأسم "مترو جولدن ماير" و"ينيڤرسال"..فى "واجادوجو" و"باريس"

و"الإسكندرية" و"عمان" و"بغداد" و"نيودلهي"!كانت تعرض أفلام غزو ألغرب وإبادة ألهنود بفخر! (ويسترن)وحرب الاستقلال والحروب العاطفية على موسيقى جديدة (چاز) وبملابس جديدة (چينز)!أصبح البطل الأميركي على حصان فى "ألغرب الأوسط" أو على دبابة في "نورماندي" أو فى سيارة "لنكولن" فى "والستريت" او بصحبة ألفاتنات يقامر في "لاس فيجاس " وأصبح "الچينز "هو لباس كل الطبقات وكل الأجناس و"فرانك سيناترا"وشيرليباسي » مغنيي حفلات الزواج و حفلات ألتخرج من ألجامعة !وأليسار واليمين والريف والمدينة حتى "طنطا" تغني I diditmyway !على حوائط بيوت الطلاب والطالبات علقت صور "ألفيس بريسلي" و"چيمس دين" و"چون واين" و"چونتراڤولتا" و"باربراسترايسند" و"چينفوندا"!

" كل ماهو راسخ تذروه ألرياح" كانت الثقافة ألجماهيرية الامريكية (pop-culture) تعصف بكل ماهو تقليدي وأرستقراطي أو شعبي محلي وأصبح ألمسرح عرضا يؤمه القلة ألمتأملة وأصبحت الرواية فى خدمة ألسيناريو وأصبح الشعر غذاء التعساء والمحبطين ومعارض ألفنون ألتشكيلية هي مايشبه جلسات رثاء ألأحباب!أصبحت الثقافة ترفيه-Entertainment- !

بعض فروع ألثقافات ألقديمة حاولت تقليد ماصنعته "هوليوود" فقامت باقتباس موضوعاتها وخلقت سينمات محلية شبيهة!، مع أبطال ورموز مستنسخين مثل ألسينما ألمصرية ولحد ما ألهندية وكانت أوربا تبلع ريقهاوتلتقط أنفاسها محاولة أللحاق ب"ألفن ألأمريكي"!

"كل هذا ألچاز" لم يكن محايدا قيميا ولا أخلاقيا فالانتماء لعشيرة لها "شرف" ليست من ألأمور ألمحببة بل على ألعكس النجاح الشخصي في المنافسة مع آخرين هو مايشكل شرف الإنسان وليس انتماؤه العائلي ولا مجد جدوده! ولامانع من استخدام كل ألوسائل ألممكنة للنجاح!ومن ناحية أخرى فلا مجد للمهزومين بشرف وحتى لو أحببناهم بشفقة!البقاء للأقوى وفِي فيلم "أنقذوا ألنمر" يخاطب "والتر ماثيو" "چاك ليمون" :ماذا تريد يارجل؟فيرد:فقط موسم آخر!

على الصعيد ألعاطفي حلت ألرغبة محل ألرومانسية(ألتانجو الأخير في باريس)-برتولوتشي ومارلون براندو-وكانت تتشكل عبر سينما وهوليوود حزمة متسعة من القيم الشخصية في مجالات العاطفة والعمل والانتماء وكان الناجح ألمنتصر في" حدث ذات يوم في أمريكا" يخاطب  ألمهزوم (روبرت دي نيرو):لقد سلبت منك كل شئ حبيبتك وأموالك وتاريخك !

وتشكلت قيم أطفال ألعالم أجمع تحت حكايات "توم وچيري" ولَم تعد حكايات الجدات عن "الجازية الهلالية وأبوزيد" لها مكان ولا أساطير "علي بابا والأربعين حرامي" سوى فاستنباطها الهوليودي ووفق مخيال حكايات الغرب الأوسط ومغامراته.

ليست كل القيم الأمريكية مريبة ولكنها ليست مناسبة لكل ألمجتمعات ألبشرية ذات ألتاريخ ألخاص والطويل واحد أهم جوانب ألوجود الإنساني نفسه هو ألتنوع ألقيمي والأخلاقي (لو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة) لكن هناك اتجاه عام في التاريخ يميل ألمهزومين خلاله لإتباع قيم المنتصرين (عبد الرحمن أبن خلدون)! وبالثقافة والقيم ألأمريكية على منتجات أخلاقية وثقافية لشعوب عدة أفريقية وأسيوية و أوربية متنوعة لكن ألوضع ألمسيطر هو سيادة ألقيم ألانجلوساكسونية ألبروتسانتينية والإنجليكانية بفعل هيمنة "ألواسب" !

تشكل موجات ألأصولية الحالية رد فعل على هيمنة ألعولمة ألأمريكية بقيمها ومثلها لكن لايمكننا ألتقوقع على ذواتنا ألتاريخية بفعل ألخوف من فقدان أصالة معينة متخيلة بما يعني ألخروج من ألعالم ألحديث وهو ما يعني ألموت ذاته!

والحفاظ على قيم معينة إيجابية شملت شعوب ألشرق وساهمت في تطور الضميرالإنساني هو أمر لامفر منه حتى لانصير شعوب "زومبي"! وهذالايمنع من ألتعامل الفعّال مع قيم حضارية حديثة أنتجتها ألحضارة المعولمة .

في نهاية حياتهم إنشغل مفكران كبيران هما "فرانسوا ليوتار" و"چاكدريدا" بمفعول هذه العولمة القيمية والتي تسود فيها قيم رأسمالية سائدة فى ألمجتمع ألأمريكي ويخلص "ليوتار" بأن ألهيكل العقلي لما بعد الحداثة"يشتمل على عملية"باستيش"وهو ما يعني تجاور بين أساليب تعبيرية مختلفة ومتنوعة ولو ضممنا لذلك "ألقيم" لأمكننا تخيل تعايش قيم متنوعة فى عام متنوع وليس ذو بعد واحد،ويشكل إنشغال "دريدا" بأمور قيمية مثل "ألضيافة" و"حق اللجوء" و"ألجوار" و"الذاكرة" (وهو ما صاغه ألراحل "سنان ألعزابي" في التعبير ألجميل ألعشرة)هاجس حقيقًي حول وعود ألعولمة ومخاوفها .

كانت ألبشرية على الدوام في مواجهة "كارثة محدقة" لكنها لم تحدث قط لأن قوى ألمقاومة تتخلق لتحقق انتقال لعالم جديد!وفى ألعملية التي نباشرها وتحتوينا(ألعولمة) الآن نحن أمام خطر محدق لفناء قيم وثقافات تنمي لشعوب ومنحتها عوامل البقاء ولنظن أن ألكارثة ستقع ذلك لأن للتاريخ دهاؤه ألكبير او كما قال "ألبرت إينشتين"أحد صناع العصرالحديث:"الله لايلعب النرد".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى