سينمامقالات

قراءة في فلم ” اصطياد الاشباح”. بقلم: جلال الرويسي

قراءة شاركت بها في نادي سينما آرتشوك ، لفيلم “اصطياد أشباح” للفلسطيني رائد أنضوني.

فيض من الإنسانية يتدفّق من شريط اصطياد أشباح… الإنسانية لا توجد في الفرح والحرية فقط، توجد أيضا في صدق المعاناة، في صدق المكاشفة الذاتية، في الوقوف بشجاعة أمام المرآة، في نبش الذاكرة بأظافر مدماة

نحن لسنا جيل ملاحم تاريخية كبرى، ولكنّنا لا نختلف في كوننا جيل المأساة، جيل الألم المشترك، جيل تلك الشعلة المرتعشة من الشمعة التي تتضاءل كلّ يوم… وإذا ما ذاب جسد الشمعة، ستظلّ الشعلة تتغذّى من وقود الذاكرة

يجمع رائد أنضوني بقايا سجناء في سجن ” المسكوبية ” هذا الذي يسلب الفلسطيني إنسانيته ويضيّق كينونته حتى يحيله إلى رسم يتنفّس، إلى كاريكاتور إنسان، إلى خرقة تمسح بها أرض الزنزانة، ويدعوهم إلى طقس جماعي لطرد الأرواح الشريرة (الكوابيس) التي تلبّست بهم جرّاء تجربة السجن.  يدعوهم إلى تجميع بقايا صور لتفكيك تجربة السجن وإعادة تركيبها عساهم يفهمون السجن والسجّان. عساهم يلملمون عظامهم التي تناثرت في الأروقة والزنازين.  “اصطياد أشباح” هو طقس جماعي من التطهّر في قالب شريط روائي/تسجيلي . ولأنّه يطارد الكوابيس فقد جاء في بناءه وخطّه السردي كابوسيا ,متعرّجا، متكسّرا يتقدّم ثم يتراجع ثم يقفز ثم يعود القهقرى ليتوقّف في الفراغ ولا يلبث أن يستأنف النفس بنفس ذلك النسق المضطرب والمتقطّع الذي يلهج به وجه السجين من تحت كيس الخيش.

عاطف الأخرس، ‘’غزّاوي ‘’ دماغه ‘’ناشفة ‘’، طويل ومنتصب كعامود، عامل ديكور سينمائي يتقن شغله أفضل من الله، لا يحب أن يحكي عن تجربته السجنية، جاء طالبا للشغل وهو لا يعرف أنّه سيعمل في شريط يحكي عن السجن.  عامل بناء وطراشة (دهّان) ومواسير، ينفع في عدّة مهام، ثلاثة أشهر سجن بالمسكوبية في 2006 وعلى أبواب الزواج يرسل لخطيبته 7 إرساليات في اليوم.  حدّاد شاب، 28 سنة، 8 سنوات سجن مطروحة من عمره ولكنّه يصرّ على أنّها كلّ عمره، تعلّم في السجن أشياء كثيرة… ورغم كرهه للثقافة والمثقّفين فإنّه يقول كلاما أبلغ من المثقفين: “لا تكن إلاّ أنت” “شغل البلابل في الأقفاص التغاريد”.  مصمّم داخلي، فنّان رقيق في هيئته، عاش تجربة السجن هو الآخر في جنين. ممثّل رهيب، كتلة متفجّرة بالأحاسيس والمعاناة. وشاب لم يعش تجربة السجن يبدو خجلا من ذلك كما لو أنّ رجولته منقوصة شيئا ما

ومخرج يقود أبرز ممثّلي الشريط والرّأس مربوطة داخل كيس ليستعيد خارطة السجن بذاكرة الخطوات

بدّك أنّنا نكون كلّنا أحجار على رقعة الشطرنج بتاعك… عندك هوس بالسيطرة غريب… ليش بتعمل ها الفيلم؟

لأنّو الي عايش جوّاك يا بتهزمو يا بيهزمك؟ ما بعرف شو هو؟… يمكن يكون مجموع التجارب اللي عشتها وبتعيشها

يعني إنت عامل كل ها المشروع لأنّك بتجرّب تعيش تجربة جديدة على جلدنا مثلا؟

صمت طويل…..

بتزعل لو ضربتك؟

لا

ينقض عليه… فأنتفض في مكاني امام الشاشة… كابوس، كابوس

مختلفون ولكن توحّدهم تجربة السجن، وسؤال السجن…. وتوحّدهم أيضا الدبكة الفلسطينية

الفضاء مغلق ويبنى من الداخل مع تقدّم الشريط… مستودع تحت أرضي جعل منه المخرج ورشة نجارة وحدادة ودهن ليحوّله مع تقدّم الشريط إلى زنازين ومكاتب تحقيق… فضاء مغلق يجعل الشريط أقرب إلى مسرحية منه إلى شريط سينمائييتعاملون مع الفضاء السجني “كلعبة تركيب”  

الزمان زمانان في الشريط. زمن التصوير وزمن السجن. زمن داخلي وزمن موضوعي. وكنّهما متلازمان, مركّبان أحدهما على الآخر وهذا معتاد لدى السجناء.  يقضي السجين وقته في الزنزانة التي طولها متران جيئة وذهابا. فتراه يمشي آلاف الأمتار والحال أنّه لا يقطع سوى مسافة مترين.  إيقاع داخلي متوتّر مكثّف متفجّر، وإيقاع خارجي افتراضي هو إيقاع مفتوح، ممتدّ إلى اللانهاية.

وفي ثنائية الزمان والمكان هذه هناك لاعبان رئيسيان. السجين والسجّان… الضحية والجلاّد… وجها لوجه. من يسجن من؟ من أقوى ممّن؟ من يعذّب من؟؟ الإجابة ليست بالبداهة التي قد يتصوّرها البعض.  فالسجّان يعمل في سجن مظلم يتنفّس هواءه ورطوبته ويعاني من ضيقه.  إنّه لا يعمل في حديقة مزهرة بل ينتهي به الأمر أن يصاب بلوثة الحبس والاختناق.  وإلى ذلك، السجين ليس على تلك الدرجة من الضعف والعجز فله سلاح السخرية والضحك والخيال والغناء والاستفزاز. إذا نجح السجين في تحويل ساحة المعركة من الجسد إلى العقل فهو المنتصر. ركّز على فكرة، استحضر شخصا تحبّه، كلّ لحظة صمود للجسد تزيده صمودا على صمود حتى يغيب الجسد نهائيا وينعدم الإحساس به

السجن كابوس وذكراه كابوسية… لذلك لا يمكن كتابة شريط منضبط عن هذه التجربة المريرة… كان لابدّ أن يأتي الشريط نفسه في شكل مشاهد كابوسية، متشظّية وغائمة ومفكّكة ومرعبة…”

جلال الرويسي، مسقط، عمان 19 أبريل  2020

رابط الفلم           : https://www.palestinefilminstitute.org/en/pfp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى