أخبار ثقافيةالأولىفنون وابداعمقالاتموسيقى

بجاه الله يا حب اسمعني: ملحمة شعبية ، في ماهية الحب. نص للفنان سمير العقربي. تعليق: عماد الزرقا

 

تعمد أول أمس 4 أوت 2020 الإعلامي الهاوي و الصديق “عماد الزرقا” مجتهدا و مشكورا انزال معالجة شخصية مني لأغنية ” يا حب اسمعني ” التي كنت قدمتها في أفريل 2006 على أثير التلفزه الوطنية التونسية . وارتأيت أن أشكر له هذه التحية بتدوينة على حائطي الشخصي عوضاً عن التعليق البسيط، لأهمية هذا الأثر الفني إبداعيا واجتماعيا في نظري . كما لا يفوتني شكر كل اللذين ساهموا بتعليقاتهم المفيدة على التنزيل المذكور .

…. في البدء ،

أشير أنه ليس من الحياء ، تحليل أو نقد الفنان لأعماله أو معالجاته ، في شيء ! لذا فإني أستشعر حرجا شديداً من هذه التدوينة التي لولا أهمية هذا الموضوع القصوى لدي لما كانت . وتزيدني حرجا ، محدوديتي المعارفية عموما واللغوية خاصة (ربي يهديك يا عمدا) وأجدني مبلجا(فعل obliger ) على تعديل بعض ما جاء في التعليقات على ذلك التنزيل من تطويحات سيقت بنية حسنة ، لكنها تسيئ للأثر في عمق مدلوله الفني ولمنابعه الشديدة الأهمية دلالاتها ، اجتماعيا.

كما أوضح أن الوثيقة ، موضوع التنزيل إياه ، ليست سوى ترنيمة بسيطة متلعثمة ( simple fredon ) من مشروع غنائي ، قدمت في إطار غير ذي اختصاص ، كلمحة خاطفة (petit aperçu ) عن مجسم ( maquette ) لبناء غنائي ملحمي متعارف ، لكن بأسلوب موسيقي مخضرم ، لا وجود له إلا في ذهن صاحبه . هي معالجة شبيهة بالتي قام بها شيخنا الجليل” خميس الترنان “( قدست روحه وطاب ثراه) ، للأثر الشهير ” فراڨ غزالي ” ، بقصد الربط أولا بين جيلينا ، والمصالحة ثانيا بين ما اتفق على تسميته عندنا بفن الزندالي (pénitencier) و الفن المدني ، في صياغة مستحدثة مقصودة ، و هي الناحية ألأهم عندي .

…….وبعد

بجاه الله يا حب اسمعني : هي ملزومة ملحونة معروف صاحبها . كتب و لحن غيرها ، أذكر له ” نيران جاشي شاعله ميقوده ” و ” ڨالو مجده مشى ” و ” إرضي علينا يا لميمه ” و ” شوف المحاين شوف ” وغيرها . سجن مرات عديدة ومات في سجنه وآسمه ” علي النيغاوي ” ، كان يكنى بالشيخ . الشيخ علي النيغاوي ، من سلالة ” محمد النيغاوي ” الذي كتب ولحن قبله في السجن بدوره ” يا فاطمه بعد النكد والغصه ” و”ليري ليري يا منه ” . عائلة النيغاوي أصيلي قرية “لحواش” بمدينة المرسى التابعة للعاصمة تونس . وقد حدثني عن علي النيغاوي واحد ممن عاشروه في السجن يكنى ” علي ولد السبنيوريه ” من باب العسل ، ربض باب سويقه ( ولد حومتي ) ، عرفته في آخر أيامه إثر سجن طويل ، فقد دلني إليه إبن حومتي أيضا من باب الأقواس”محمدLama” أي ( الأعمى ) يكنى هكذا لضعف نظره . رحم الله جميعهم وغفر لهم . Lama تعرف على ولد السبنيورية في السجن طبعاً و حفظ عليه الأغاني التي ذكرت للشيخ علي النيغاوي فكان ينوي أن يغنيها بعد عقوبة إلتقى خلالها “الشاذلي المزوغي ” من حومة باب الخضراء بالربض ذاته وهو حي يرزق إلى يومنا هذا و يجلس صباحا بمقهى سيدي عماره بالحلفاوين من ذات الربض ، باب سويقه . المزوغي صاحب صوت جميل ، غادر السجن قبلLama بعد أن حفظ عنه ملزومة بجاه الله فغناها قبله في”ربوخات” الربض . و”الربوخ” سهرة للغناء الشعبي الحضري “بالبنادر”( ج. بندير ) و”المزود” (في بلاد الشام يسمى المزوج) وهو آلة نفخ مزدوجة الصوت تتميز”بقربة” من جلد الماعز ونسميها “ظرف dhorf” , تصلح لتخزين الهواء وتأمين صوت مسترسل . لا تتجاوز أصوات المزود الخمس مقامات ، وتكون سهراته الربوخ ذكورية صرفة ، يتخللها عنف كثير ، ودماء .

……استراحة !

عنتر رب المزود …

في سهرة من سهرات الربوخ النادرة في مدينة الجديدة Jdeïda من ولاية منوبة ، حدث أن إستعمل ” المزاودي ” وهو غازف المزود ، ظرفا جديدا لم يجف بعد ، وما زالت تنبعث منه رائحة اللحم الحيواني . عنتر الطرودي من أبناء الجديده ( وهو عم لمنير الطرودي ) كان طبعا هناك . وكان في البيت أو الحوش الذي أقيم به الربوخ ، كلب يعرف كل المدعوين بالطبع ، فكان حرا بدون قيد . الكلب اشتم نتانة المزود الجديد وبقي ينتظر متى يضع المزاودي مزوده من يده لٱستراحة قصيرة ، وتم له ذلك ، فآنقض على المزود وهرب به. عنتر الطرودي لحق يطارد الكلب وأمسك بالمزود . لكن الكلب رفض الإفلات به من فكيه وكان عنتر ينهر الكلب ويصيح به قائلا ( سيب رب المزود ) فأصبح يكنى برب المزود وهو لا يعرف العزف عليه لا من قريب أو من بعيد . رحمه الله .

……عود على بدإ

المزوعي أول من أنشدها في ال civil أي خارج أسوار السجن (يسمونه المكتب أي المدرسة ) فاغتاظ  لذلك Lama حتى مماته . Lama ليس بمغن محترف ولم يفكر في الشيء مطلقا ، ديدنه ، كيف يسعد أولاد حومتو في باب الأقواس بمعنى جديد وجميل ، يعلم الله حجم التضحيات التي دفع بها لأجله . حاله حال المزوغي الذي ظفر بالنصر على منافسه باندي( bandit ) باب الخضراء”الهادي الشنوفي” في صراع عاطفي متواصل إلى اليوم معه ومع” نور الدين بهيجة” من حومة ” أريانة ” . ” ڨدور ” لاعب كرة القدم بالترجي الرياضي المكنى بالمزاودي ، يرقص رقصته الرائعة للمنتصر فقط ، ولا يغني . لكن تبقى هناك اختلافات هم يعتبرونها جوهرية في بعض من ألفاظ أو صور الملزومه ، لتبرير الصراع . …

أنا أثق أكثر في المعاني التي يدافع عنها ” الحبيب الخال ” وهو من ربض” باب الجديد” لسعة ذهنه وشديد اهتمامه بدقائق الصور (متعهم الله بالعافية كلهم ) . لكن يبقى الفنان الكبير الهادي حبوبه صاحب أقوى شحنة وأجمل آداء لها . هو سمعها في ربوخ بباب الخضراء بصوت الشاذلي المزوغي كان حاضرا فيه الملحن النابغة عبد الحميد ساسي ، صاحب أجمل الأغاني التونسية على الإطلاق ، في القرن العشرين . عبد الحميد ساسي هو أهم تلاميذ شيخ المشائخ (يلقب هكذا ) للطريقة السلامية بالقطر التونسي ، العروسي بن خميس طاب مقامهما . أحلى أناشيد الحضرة هي للشيخ العروسي .

………تعليلة الختام

في العمل المنجز سنة 1991 ” النوبة ” اشتغل معي عازفا مزود ، وكانا الأهم في اختصاصهما ، هما عبد الكريم الفيتوري عليه رحمة الله من باب سويقه ، وأحمد بادوس دامت صحته من باب الجديد ، قل أن التقيا قبل النوبة ، الفيتوري تتلمذ على قطب الفن في ربضه ” الشاذلي لمدلل” والثاني بادوس حفظ على قطب باب الجديد ” عزيز الترلياتي” ، قطبان لا يلتقيان مطلقا . أصاب المرض عم عزيز في آخر أيامه ، فانتقل إلى باب السويقة ليسكن عند غريمه ومات في بيت الشاذلي لمدلل وشيعت جنازته من هناك .لله في خلقه شؤون.

…؟؟……………..؟؟.؟؟………………

بجاه الله يا حب إسمعني…..ملحمة شعبية في ماهية الحب..!

الإمضاء سمير العڨربي

————————-

تعليق عى النص: لعماد الزرقا

اهلا سمير..جميل ما كتبت صديقي…علما وان ما كتبت هو بداية لبحث علمي موضوعي وليس ببحث متفرد فهو عبارة عن شهادات أولية témoignage لا ترتقي لمعاني الاستمارةsondageوالتي تتأسس عليها القوانين والنماذج العلميةles modèles scientifiques. هذا على مستوى منهجي .اما على مستوى تحقيقي فقد وصلتني وهذا موجود في الكثير من الشهادات والتي بحثت فيها عبر جمعيتي الموسيقية “زغاريد”والموثقة الآن في مركز النجمة الزهرة CMAM أن “بجاه الله” هي شكل من “قصيدة”( بتسكين القاف) مستوحاة من ملزومة متداولة عند قوالة منطقة “منزل نور” (الداموس سابقا) وهي للشاعر أحمد بية الذي ينتمي لنفس المنطقة وقد وقع فيها بعض التغيير في عبارات أبياتها ومن هذه الملزومة اشتقت العديد من الروايات….وما تداول في السجن هو عبارة عن إعادة استصاغة لهذه الملزومة….وتبقى في ذلك الأبحاث متحركة…وهذا المهم…ولعلمك صديقي العقربي فإن الوضعية الاستقصائية للأنماط الموسيقية في تونس لا تزال ضعيفة بعض الشيء وغامضة وذلك لأنها متغطية بالنزعات الجهوية والإيديولوجية زيادة على السلطات الفردانية وكل واحد في تونس يقول انا…..

صديقي العقربي تهمني تدخلاتك الصادقة…للعلم اني أجد نفسي مستفزا لشخصكم الموقر في جميع تدخلاتي البسيطة….

أيضا أنا لست صحفيا ولا شيء صديقي..أنا مواطن أبحث في مواطنتي عبر الفن الوطني…والموسيقى الوطنية خاصة…

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى