أخبار ثقافيةالأولىمقالات

رسم المصحف العثماني في نفي القراءة ومحو المكتوب. نص : عمر الغدامسي

 

حينما كان الانجليز يحتلون الهند قاموا باستثناء المسلمين من وضع صورهم الشخصية علي  بطاقات الهوية،  وقد كان علي مسلمي ذلك البلد ، قبل انفصال غالبيتهم عن الهند و بعدها ، انتظار حصول سلسلة من الاجتهادات و الفتاوي الفقهية التي تبيح لهم اخذ صور فوتوغرافية  ، وفق ما اعتبره الأئمة فقه المقاصد . اليوم لا يمكن تصور شخصا ما ، و مهما بلغت درجة تدينه  ، يمتنع عن اخذ صورته الشخصية ، لاستخراج بطاقة هوية او جواز سفر . في المقابل ، فان هذا لم يمنع من استمرار وجود تلك القناعات التي تحرم التصويرمن رسم و نحت ، و التي أدت و لا تزال الي التكفير و تحطيم التماثيل .

  الديانات الإبراهيمية و معاداة الصورة :

في “العهد القديم”  و في الوصية الثانية لموسي نجد نصًّا صريحًا في تحريم الصورة: “لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورة ما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. و في المسيحية كان هناك تاريخ دموي باسم تحريم الصورة و لم تعترف الكنيسة بالرسومات و الصور الا في القرن 12 م و 13 م و مع ذلك عاودت ظاهرة العداء للصورة للرجوع في القرن 16 بوصفها كفرا و تجديفا  ، ليتم القضاء عليها ثم ليفتح المجال واسعا ، أمام حرية الفن الذي كان عليه في فترة ما من تاريخه ان يتقيد بتعاليم تجعله اداة لتقريب المسيحيين من دينهم .

الي غاية الان ، يستمر لدينا تحريم الصورة ، كركن ثابت في ثقافتنا الدينية ، وذلك رغم مرور عقود علي تصالح المسلم في الهند مع صورته الفوتوغرافية ورغم وجود ما يكفي من  المراجع التاريخية العربية القديمة و التي يعود بعضها الي القرن الثامن ميلادي و التي تؤرخ لتسامح الاسلام الاول و النبي محمد ( ص ) مع الرسم .و رغم وجود سلالات متنوعة من فن المنمنمات و التي تعود اصولها الي القرن الثامن ميلادي و كذلك الرسوم الشعبية او الفن الفطري الذي يعتبر احدي علامات التدين الشعبي ، بقي تحريم الصورة مستمرا  و مدججا في المقابل بانغماس شبه كلي و منقطع النظير في عالم الصورة ، حتي ان من يعادون الصورة الي حد التطرف ، نراهم جزءا فاعلا في انتاجها و تسويقها، بما يكفي من التقنيات العالية في تصوير مشاهد القتل و الذبح .

ومن المفارقات التي تروي ، أنه في سنة 750م  لما انتصرت الجيوش الإسلامية علي الصينيين في معركة تسمي ” تسالي ” افتدى الصينيون  أنفسهم من الأسر بتعليم المسلمين أسرار صناعة الورق و الكاغذ ، مما فتح الباب لظهور و نمو صناعة الورق و أصبح بذلك ” حي الوراقين ” جزءا أساسيا في مثال عمارة كل مدينة و حقق المجال لظهور فن المنمنمات بصوره و رسوماته البديعة و التي بلغت ذروة الاتقان و الفن . و من المفارقات أيضا أن العرب و عند تعرفهم علي الكاميرا بقوا يفكرون في مقابلها اللغوي بالعربية ، فوجدوا في كلمة ” قمرة ” الترجمة الأنسب و هي كلمة نحتها الحسن ابن الهيثم عالم البصريات و هو أول من صمم آلة تصوير ، و التي لازلنا نصممها الي اليوم لكي نعلم الأطفال أبجديات الصورة الفوتوغرافية  .

الرسم سلطة :

لو عدنا الي اللغة العربية ، فان كلمة رسم تشمل المعني المتداول والشائع أي رسم الشكل   (هندسي ، مجرد ، مجسد ) كما تشمل الخط أي الكتابة ، فالرسم يعني الأثر سواء كان شكلا او حرفا  و لفظة رسم في القديم ، تعني أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية و ابن خلدون يصف في مقدمته الرسم بالفن و مقابله فن القراءات ، حيث لا توجد كتابة دون قراءة و قراءة دون كتابة ،  أي دون رسم .

كما تحمل كلمة رسم في اللغة العربية معاني اضافية، حيث انها تشير  الي  السلطة و احكامها ، فهي تختص بمعاني المراسيم  فيقال رسم له بكذا ، يعني كتب له قرارا ( ملكيا ، جمهوريا ، اميريا ) و يقال اقام الرسم أي تولي منصبا مؤقتا  و يقال  بوابة الرسوم و رسم الخدمة و رسم الدخول ورسوم ثابتة و معانيها تشمل الضرائب و المعاليم الرسمية .

الكتابة قضاء و قدر:

اما الكتابة ، فهي لا تعني في اللغة العربية غير النسخ و الخط. وتذكر المرجعيات الدينية الاسلامية “الكاتبان” و هما الملكان الموكلان بتسجيل اعمال الانسان ، ملاك من ناحية  اليمين يسجل الحسنات و ملاك من ناحية اليسار يسجل السيئات ، فنقول كتب الله الشئ ، أي قدره و قضاه و أوجبه و فرضه.  ونقرأ في صورة البقرة ( آية 183) قول الله  تعالي: ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كما كتب علي عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ “.

توازي الكتابة هنا النسخ ولكن ليس بالمعني المختصرفي تحويل الشفهي اي الوحي المنزل الي نص مدون و  مكتوب بل بمعني اكبر و اكثر شمولية ، ذلك ان القرآن ليس الا جزء من شيء اعم ، سماه المفسرون باللوح المحفوظ و الذي وضعه الخالق و اودع  فيه كل سنن ومجريات الحياة وكل ما سيحدث في الكون منذ خلقه له و الي غاية نهايته . اي ان الكتابة ، بشكل اعم و جوهري ، هي نسخ لما هو مقدر و مقرر . و هي ايضا، و في وجود الملاكين ، تدوين لما يقع و ما سنحاسب عليه يوم القيامة ، حيث ان لكل اجل كتاب.

  في الزمن العثماني:

تبين النقوش الأثرية، أن الصحابة كتبوا المصاحف وفق القواعد الإملائية التي يعرفونها في زمنهم. وهذا الرأي هو الذي ترجّحه الأدلة الأثرية المكتوبة لفترة ما قبل الإسلام في سنواته الأولى، إذ يلاحظ فيها إنقاص الألف، وخلوّها من النقط والشكل، وبعض الظواهر الكتابية الأخرى.

اما  في كتب التراث ، فإننا نجد مرجعا مهما في مسألة تدوين القران و رسمه و هو ” المقنع في رسم مصاحف الأمصار ” مؤلفه احد علماء الأندلس ، هو ابو عمرو الداني ( 371 ه – 444 ه ) -01- و فيه وثق تعدد المصاحف و جمعها في زمن ولاية عثمان ابن عفان الذي قام بنسخ تلك المصاحف في مصحف واحد ، بكل ما رافق ذلك من اختلافات و معارضات و صلت الي حد الاقتتال ، و التي حسم أمرها في النهاية لفائدة عثمان ابن عفان فأحرق كل المصاحف و ابقي مصحفه الذي سيعرف بالمصحف العثماني. و يذكر ابن الداني في كتابه عديد الامثلة عن ما شاب المصحف العثماني من أخطاء في الرسم ، مخلة او مفسدة للمعني.

ففي سورة البقرة كتب ” خطيكم” بحرف واحد والتي في الأعراف “خطيئتكم ” بحرفين  و عدد  في كتابه ما تم حذفه من حروف الإلف في أكثر من موضع من القرآن، كآلاف بعد اللام في “بغلم” “وغلما” و”غلمين” و”خلئف” و”ءالف” و”السلسل”  و كذلك الالف بعد العين في قوله ” تعلي الله ” و ” فتعلي الله ” كما حذفوها في مواقع اخري كثيرة كبعد الياء و الطاء ، ومما يذكره ايضا ابن الداني انه تم ايضا حذف الالف من الاسماء الاعجمية فكتبت ” لقمن ” عمرن ” هرون ” اسمعيل ” ..الخ ، كما شمل الحذف الجمع السالم  : ” الفسقين ” ” الشيطين ” ” الخسرون ” و المؤنث السالم ” : ” النفثت ” ” الحفظت ” ” الصدقت “..الخ  . هذا و نجد لابن الداني في كتابه عدة ابواب في ذكر ما تم حذفه مثل  باب “ذكر ما حذفت منه الياء اجتراء بكسر ما قبلها منها”  و باب “ذكر ما حذفت منه الواو اكتفاء بالضمة منها او لمعني غيره” و باب “ما رسم باثبات الياء زائدة او لمعني” و ” باب ما رسم في المصاحف من الحروف المقطوعة علي الاصل و الموصولة علي اللفظ” .

في دراسة عنوانها ” اشكالية رسم المصحف العثماني في ضوء الرؤية الاستشراقية ” للباحث حكيم سلمان السلطاني و للباحثة زهراء البرقعاوي -02- ، نجد جملة من الاجابات و التفاسير عن هذه  الاشكالية و الرد عليها  ، حيث نقرأ الاتي :

” وقد يغلو بعض المتزمتين بالرسم القديم، فيزعمونه توقيفًا كان بأمر النبي (ص) الخاص، ولم يكن للكَتَبة الأوائل دخلٌ في رسمه بالهيئة الموجودة، وأنّ وراء هذه المخالفات الإملائية سرًّا خفيًّا وحكمةً بالغةً لا يعلمها إلا الله سبحانه. وهو ما ادّعاه ابن المبارك في نقله عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال: “ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرةٌ واحدةٌ، وإنما هو توقيفٌ من النبي  وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرارٍ لا تهتدي إليها العقول وهو سرٌّ من الأسرار خصّ الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه ايضا معجز و تضمنت الدراسة المذكورة ردا علي هذا الكلام وتبيان هزاله من عدةِ وجوهٍ منها:1-أن الرسم المصحفي لم يرد فيه ولا حديثٌ واحدٌ عن النبي فكيف يكون توقيفيًّا. 2-: لو كان الرسم توقيفيًّا  لكانت خطوط كتاب الوحي واحدةً، وليس  الامر   كذلك .                .
وذهب البعضٌ الاخر من الدارسين ومنهم أبو العباس المراكشي (ت721هـ)، إلى تفسير ظواهر الرسم تفسيرًا صوفيًّا، وأنّ فيه حِكَمًا خفيّةً، وأسرارًا بهيةً، عبّر عنها بقوله إن الرسوم “إنما اختلف حالها في الخط، بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها” . وكذلك “التنبيه على عوالم الغائب والشاهد، ومراتب الوجود والمقامات”. وإن كان المراكشي قد عرض مذهبه بعبارةٍ قويةٍ وبأسلوبٍ جيدٍ، فإنه لم يسلم من النقد، لأن قوة العبارة وجودة الأسلوب لا يمكنهما أن تنصرا مذهبًا، إذا توافرت فيه عوامل الضعف “.
اما اصحاب البحث المذكور فقد خلصا الي القول بأن  “ما ورد في المصحف من مخالفاتٍ إملائيةٍ ليس بالشيء الذي يمس سلامة القرآن، فالقرآن هو الذي يُقرأ، لا الذي يُكتب، فلتكن الكتابة بأيِّ أسلوبٍ “.و هذه في اعتقادنا وجهة نظر ، تخفي عمق الهوة الفاصلة بين مفهومي القراءة و التلقين .

مؤخرا ،نشر موقع ” ايلاف ” مقالا يحمل امضاء الكاتب و المحلل السياسي العراقي  جرجيس كوليزادة -03- ، يدعوا فيه صراحة الي : ” اعادة النظر في كتابة القران الكريم ، لان الرسم العثماني المكتوب به لا يصلح لامة الاسلام في العالم المعاصر ، و خاصة المسلمين من غير العرب ، بسبب الاحراج الملحوظ في لفظ الكلمات المرسومة بشكلها الخاطئ عن الرسم الاملائي الصحيح ” و قد واجهت هذه الدعوة انتقادات عنيفة .

القراءة و المحو:

تُعرَّفُ القراءة في اللغة على أنَّها الصوت الذي ينتج عن نطق المرء بالكلام المكتوب و الذي من خلالها يحدث التحفيز العقلي و الادراك . ومع تطور بحوث العلماء في مجالي التربية و علم النفس ، تبين ان مفهوم القراءة اكثر تعقيدا مما قد نتصور ، فهي عملية بنائية  نشطة ، تتجاوز النشاط البصري نحو خلع المعني علي المقروء من خلال عمليات معقدة من  التفكير و التقويم و التحليل و التعليل  .

تستوجب الكتابة و بشكل عام ، ان تكون مطابقة للفظ المنطوق به تمامًا، و بهذه الطريقة نحن جميعا نكتب نصوصنا ، ليكون الخط مطابقا للفظ من غير زيادةٍ عليه أو نقصان ، غير ان المصحف العثماني قد أهمل فيه هذا الأصل الجوهري ، بسبب ما جاء فيه من حروف  كثيرة كان رسمها مخالفا لأداء النطق ، و هذا جعل مفهوم القراءة مختلا .

نحن و عبر اجيال متعاقبة في التاريخ ندعي قراءة  نفس النص القرآني  ، الا ان الحقيقة ابعد من ذلك ، لعدم تطابق الخط اي الرسم مع اللفظ . بما يعني ان مفهوم القراءة من حيث هو علاقة تواصلية و تفاعلية مع المكتوب ، قد ترك مكانه لنوع مختلف تماما من التلقي الذي يعتمد وجود عنصر استيهامي هو عبارة عن طقس يقوم علي تعويض فعل القراءة بالإملاء و الترديد في حلقات الملة ، و يصبح خلاله المكتوب ( رسم المصحف ) مغيبا و مجردا من وظيفته ، و قد  يصل الي غاية الامحاء و الترك بحفظ القرآن او ما تيسر منه ، ليصبح السماع مهيمنا علي مفهوم القراءة .

يتم تفعيل ذلك العنصر الاستيهامي ، من خلال عنصر الايقاع و الذي يقوم علي الترتيل الجماعي بما يرافقه من تفخيم وتجويد وهو طقس قد يصل الي مرتبة تسمي الحدر ، بإدراج الترديد و سرعته مع المحافظة على أحكام التجويد، مع ما تطلبه قواعد هذا الطقس من وجوب عدم بتر الحروف وذهاب الغنة والمد.

الإملاء و الملة:

تاريخيا نجحت الكنيسة و بعد حروب دامية ، في فرض الصورة ، بوصفها سجل للتذكر و معرفة التعاليم  ، و كان الفن ، مع رسامين مثل جيتو ، في القرن الثالث عشر ، يتقدم وفق قدرته علي جعل تلك التعاليم و قصص القديسين ، اكثر قربا كهيئات من ابصار  الناس العاديين وكان اغلبهم من الاميين ، الي ان وصل  الي ذروته مع تمكن الرسامين من تقنيات المنظور ( اواخر القرن الثالث عشر و الرابع عشر )، لتصبح بذلك حكايات القديسين و تعاليمهم  مجالا ايضا للتفكير، من نوع : ” كيف يمكن ان يقف الانسان ، و كيف يمكن ان يتصرف ، و كيف يمكن ان يتحرك اذا شارك في مثل تلك الاحداث ، و كيف يمكن اضافة الي ذلك ان تبدوا للعيان مثل هذه الاشارة او مثل تلك الحركة الواردة في تلك الايقونة او في ذلك الرسم ؟  ” .-04-

الفقيه و المطبعة

  تاريخيا  فان الكتابة و التي تشمل اليا القراءة لم تكن متوفرة كما هي عليها اليوم و الكلام هنا عن حدث فارق في تاريخ البشرية عامة الا و هو  اختراع المطبعة و الطباعة و ما احدثته من تحولات كبري ، انتشار هذا الاختراع ، تطلب  لدينا وقتا اطول مقارنة بأوروبا ، ليس فقط بسبب تخلفنا التقني بل و ايضا بسبب فتاوي تحريم طباعة القران – 05- بدعوي عدم طهارة مواد الطباعة،  وتحريم ضغط آيات الله بالآلات الحديدية، إيقاع التحريف بكتاب الله. و قد كان من  اسبابها ايضا وفق الفتاوي ، تضييع ما اسموه بملكة الحفظ و الرواية ، اي تهديد ذلك النسق الاملائي و الذي ينفي فعل القراءة ، و يجعل علاقة المسلم بكتابه المقدس مشروطة بوجود شريحة من اولئك الوسطاء الذين نسميهم فقهاء الدين .

علي تلك الحال ، بقيت مجتمعاتنا ، و لقرون مديدة توفر سبل قراءة القران  لدائرة محدودة من المتعلمين الذين منحوا صفة الفقهاء و علماء الدين ، في محيط  متلاطم من الامية الضاربة و اعدادا من المتعلمين ممن بدأ يتشكل وجودهم عدديا داخل مجتمعاتنا ، و ممن منعتهم تلك الفتاوي من الاستفادة من الطباعة و تكلفتها المتواضعة .

 

في اوروبا و قبل انتشار المطابع كانت قراءة الكتب تتم جماعيا و ضمن الحلقات و النوادي ، بسبب الندرة و التكاليف المرتفعة  و في  القرن السابع عشر و الثامن عشر انتشرت الكتب المطبوعة  فأصبح للبعض إمكانية امتلاك كتبهم الخاصة و قراءتها علي انفراد ، فان ذلك اثار حفيظة المحافظين خشية ان تولد القراءة المنفردة حياة خاصة . و كانت الكثير من الحرائق المنزلية تنسبها الدوائر الرسمية كذبا ، للقراءة في السرير . ان صورة المسلم  المنعزل في خلوته بصفاء و قلب خاشع لقراءة القران و تأمل معانيه ، تبدوا صورة علي غير قياس ما هو غالب لدينا ، ذلك ان  قرونا ممتدة ، من سلطة الفقهاء و من التحريم أنتجت  وسائل السيطرة علي الجموع ، فلم تكن هناك حاجة  لبلاغات كاذبة عن عدد الحرائق في  خلوات من يقرؤون القران متأملين منفردين  .

لقد كان هذا المعطي التاريخي و عبر ازمنة ممتدة ، دوره الاساسي  في ترسيخ ذلك الصنف من التلقي التلقيني الجماعي للقران ،و جعل امر رسمه ، قضية غير مطروحة ، و منح طبقة الفقهاء، كحراس للمعبد ، امتيازا خاصا في ان يكونوا هم القراء الوحيدين للقران ،فصادروا حق قراءته لأنفسهم ، مستفيدين من رسمه الخاطئ و ثم من تحريم الطباعة و في المقابل لم يسمحوا بان يتداول الاميين الصورة كوسيط ممكن للتفاعل مع دينهم ، و بهذا كان الفقهاء هم الوسيط و الحد الفاصل الذي لا يمكن تجاوزه بين المسلم و كتابه . اننا هنا نتحدث عن قرون متعاقبة و متراكمة ، و ما كان لها من تأثيرات في نسق علاقة المسلمين بكتابهم و ما نشأ عن ذلك من نتائج ، نحن نعيش اليوم تأثيراتها المفزعة .

في بيزنطة ، عاش البابا غريغوري الكبير في تلك الفترة التي عرفت فيها المسيحية ذروة تحريم الصورة في نهاية القرن السادس ، عندما ذكر انصار المعارضين للصورة ، بان كثيرا من اعضاء الكنيسة لا يحسنون القراءة و لا الكتابة و قال قولته المشهورة : ” ان الرسم للاميين مثل الكتابة للقراء ”   . كل هذا  لم يوجد له مقابل او بديل في ثقافتنا العربية الاسلامية ،حتي و ان كان  قد تسرب نحونا في القرن التاسع عشر  فن الرسم علي البلور و المطبوعات المصورة المستهلكة شعبيا -06- الا  ان ذلك لم يردم   هوة عجزنا علي توفير ما يساعد العامة علي الاقتراب من دينهم ، سواء عن طريق الصورة او عن طريق القراءة المباشرة بسبب ما ذكرناه من اخطاء الرسم و توظيف التحريم .

قد تساعدنا اللغة علي تفكيك بعض الظواهر ، من ذلك نحن نسأل ،عما اذا كان هناك جذر لغوي واحد يجمع لفظتي ” الملة ” و ” الاملاء ” ؟  ذلك ان حجر الرحي  ، في ذلك الطقس الذي يعوض مفهوم القراءة بالاملاء و السماع ، هو المسجد او الجامع ، كمؤسسة تؤمها شرائح متنوعة و متفاوتة  اجتماعيا و تعليميا بما فيهم نسبة عالية من   الاميين و شبه الاميين ، فان تلك ” القراءة ” قد رسخت مفهوم الوعي الجمعي و الذي يعتبر مهما ومفيدا و لكنه في ذات الوقت قد تحول الي مؤشر خطير بعد ان اصبح  راضخا و علي امتداد قرون لاليات تحكم من المهم التوصل لمعرفة مختلف انساقها الداخلية .

 

– المراجع و الهوامش :

01- المقنع في رسم مصاحف الامصار مع كتاب النقط . تاليف الامام ابي عمرو عثمان بن سعيد الداني . تحقيق محمد الصادق قمحاوي . الناشر : مكتبة الكليات الازهرية – القاهرة

02 – اشكالية رسم المصحف العثماني في ضوء رؤية المستشرقين . الباحث : م. د. حكيم سلمان السلطاني/ م . د زهراء البرقعاوي – مجلة دراسات استشراقية – العدد 19 . سنة 2019

-03- دعوة الي اعادة كتابة القران الكريم من جديد – جرجيس كوليزادة – موقع ايلاف -20 يوليو 2020

-04-  قصة الفن  : ارنست غومبرتش ، ترجمة : عارف حديفة ، منشورات هيئة البحرين للثقافة و الاثار – المنامة ، الطبعة الاولي 2016 ص 202

-5 –  في مصرعندما بعث محمد علي، مطبعة «بولاق»، سنة 1821 م وهي أول مطبعة أسست في التاريخ المصري، وكانت تابعة للدولة المصرية، واجه معارضة كبيرة من العلماء بشأن طباعة القرآن. وقد ظل محمد علي راضخا لتلك الفتاوي  ، لكنه عاد بعد فترة توصل الي حل وسط بتخصيص جزء من مطبعة بولاق للقيام بطبع القرآن حصرًا وبمفرده دون أي كتب أخرى، وعرف هذا الجزء باسم «مطبعة المصحف الشريف»، وكان له رئيس مستقل يشغل هذه الوظيفة. ولكن في عهد الخديوي عباس حلمي الأول و بتأثير من علماء الأزهر امر  بمصادرة تلك المصاحف ومنع تداولها، فأصدر العام 1853 منشوراً بجمع المصاحف المطبوعة وتحريم تداولها ومعاقبة من يخالف ذلك الأمر، كما أصدر أمراً لمحافظ الإسكندرية في العام التالي بإعدام المطبوع من المصاحف . وفي عهد الملك فؤاد طُبِع المصحف مرة أخرى عام 1918 وقام على تصحيحه وتدقيقه الشيخ محمد خلف الحسيني؛ شيخ المقارئ المصرية، تحت إشراف مشيخة الأزهر الشريف، وتمت مراجعته في 1918، وتم جمعه وترتيبه في المطبعة الأميرية، وطبع في مصلحة المساحة عام 1924.  و في الدولة العثمانية ما إن علم السلطان العثماني بايزيد الثاني أن الجالية اليهودية قد أستوردت أول مطبعة إلى تركيا سنة 1493 م , حتي أصدر فرماناً يقضي بتحريم الطباعة على رعاياه المسلمين، واستمر ذلك إلى أن دخلت الطباعة رسمياً في الدولة العثمانية في عهد السلطان أحمد الثالث عام 1727، وكانت في البداية تقتصر على الكتب العلمية والأدبية دون الكتب الشرعية التي سمح بطباعتها لاحقاً.

و يعزوا الباحثين دوافع  تحريم  طباعة القران الي عدة اسباب نذكر من بينها :

  • خوف رجال الدين من الأثر السلبي الذي قد يحدثه دخول عنصر معرفيّ جديد في بنية الثقافة الفكرية والمجتمعية التي صاغوها حسب مصلحتهم فينتهي الأمر إلى اختلال متانة سلطتهم الدينية و القضائية.
  • مع انتشار الطباعة تنخفض أسعار الكتب فيتمكّن عامّة الناس من شرائها وترتفع نسبة المعرفة بين الناس فيحلّ العلم محلّ الجهل. وهذا يتنافى مع مقاصد السلطنة التي تتوخى دائماً السيطرة على جميع الميادين المعرفيّة وإذعان مواطنيها لمشيئتها من دون أي اعتراض، وتوجيههم دوماً نحو ما يرضي السلطة التي وحدها تملك حق القرار بشؤون البلاد والعباد.
  • اعتراض النسّاخين بشدّة لأن الطباعة تحدّ من نشاطهم وتقطع سبل معيشتهم.

 

-06 – يعد الرسم الشعبي نوع من الفنون ذو الاصول البيزنطية و صل الينا في القرن التاسع عشر عن طريق الصقليين و الكورسيكيين و الاتراك وهو يحتوي علي رسومات تضمنت   قصصا من  القرآن  مثل ، صورة “سفينة  سيدنا نوح”  “سيدنا علي ابن ابي طالب” و ” البراق ” و ” سيدنا ابراهيم و مشهد التضحية ” و “ما وقع بين سيدنا يوسف و امرأة عزيز مصر ” . الا ان ذلك الرسم الشعبي سرعان ما تلاشي بعد انحصار بعيد الاستقلال .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى