أخبار ثقافيةالأولىشعرفنون وابداع

الانزياح اللّغوي في قصيدة “دفاتري” للشاعرة السعودية فهيمة الحسن. بقلم الناقدة الجزائرية سلمى النّعيمي

لِقَلمِي كَلِمَةْ!

“ولأنّ الانتقاد سهل، فالفن صعب، والنقد يُقرأ من أجل فهم الذّات، لا من أجل فهم الآخرّ؛ سلمى النّعيمي” 

بعض الأدباء كالظاهرة يرحلون بسرعة، وينطفأ بريق شهرتهم فور إجهاض أو ولادة أعمالهم الإبداعية!؛ مشاهير رغم قلّة كتاباتهم، لكنّهم من ذاكرة الأقلام يرحلون؛ والبعض رغم إسهابهم في الكتابة، والتعمق في الأفكار يبقون مجرد أقلام تنتقد وتدّرس، ولكن لا تضمحل كما الظواهر التي ترحل؛ كما تفعل الشاعرة العربية “فهيمة الحسن”، التي تقوم بالخروج عن الكلام المألوف على ألسنة الناس في الاستعمال اليومي، من خلال اختيار الألفاظ وانتقاء الكلمات ثمّ تركيبها في سياق أدبي ذي دلالة، حيث تهدف إلى الانزياح في لغتها للتوصيل والإبلاغ وتحقي

image

 الشعرية والجمالية!، وهي ليست ظاهرة كبقية الظواهر الأدبية؛ لأنها متنوعة وعادةً ما يكون لها مقياس تتحّدد به وتُعرف من خلاله، إذ يظهر الانزياح في لغتها على عدّة صور أهمّها: الدّقة في الدلالة ،من خلال الانتقال من المعنى الحقيقي أو المعجمي للكلمة إلى المعنى السياقي أو الانفعالي، إذ تقوم على استبدال المعنى المجازي بالمعنى الحقيقي، في عدّة أفرع: كالاستعارة: التّي تستعمل فيها اللفظ في غير نمطه الاعتيادي ومعناه الأصلي، وإنمّا لوصف شيء أو أمر مشابه، إذ استخدمت الشاعرة “فهيمة الحسن” في قصيدتها “دفاتري” تقول:

-دفاتري-

قالها نزارُ:

هل لدفاتري أعصابُ؟

: يا سيدي يا نزار فما عسايَ عن دفاتري أقولُ

؛ دفاتري فيها تكتبُ الأوجاعُ

حبرُ الدّموعِ يسّطّرُ آنينَ الماضي!

في الصفحاتِ ينتصرُ الفراقُ!

على قلوبِنا المعلّقةِ، وتنتظرُ مدامعُنا يومَ اللّقاءِ!

وأقلبُ الصّفحاتِ، لأصرفِ عن آياتِ وجدي…

صورَ الدّهرِ القاتِمَةِ،

، وأتسلّقُ جدارَ الحبِّ بلا تردد

، أقطفُ ياسمينَ الهوى من غصنِ الحياة

، وأقلبُ الصفحاتِ

ارقبُ وجهَ القمرِ،

…يومَ يكونُ الإشهاد

! ارقبُ وجهَ القمرِ لحظةَ الميقات

يا أيها الوتر،ُ

أوجعني أعنّي أن أغنّي،

وانسى ذاك الصراع،

ذاك القهرُ الذي يبيتُ ويستيقظُ على،

شرفاتِ القلوبِ،

ذاك  الظلامُ الذي وأدَ فرحةَ الصّباحِ،

يا أيها الوترُ أوجعني،

أعني أن أغني إني أرى الجمالَ بأرواحنا رغمَ عتمةِ؛

الغياب.

رغم الصعابِ… والحزنِ الشريد!

وأقلبُ آخرَ الصفحاتِ؛

فأقرأ قصائدَ الحبِّ لأني يا حبيبي…

أعلمُ أنَّ الحبَّ يزهرُ  من فوهاتِ المدافعِ

أعلمُ يا حبيبي

أنَّ الأحلامَ تحلّقُ فوقَ جدرانِ الصوتِ

وأنَّ الأفكارَ تجولُ بلا جناحٍ في  فضاءِ

الحرّيةِ

بلاقيودٍ

وليست بالدفاتر ِ

. أعلمُ يا حبيبي  أنَّ طقوسَ العشقِ صلاةٌ للخالدين

وإثباتُ وعدٍ يتردّدُ ذكرُهُ في كلِّ

محافلِ النّورِ

يا حبيبي؛

سأشهِدُ اللهَ على مواثيقِ هوانا

سأقسمُ لك في حرمِ العاشقينَ

أن أسكنَكَ خلفَ أضلُعي مدى الحياة

وأغفوَ على وسادةِ الهوى

حالمةً بدفءِ يديكَ

حالمةً بيومٍ يكونُ فيهِ  السَّلامُ

أبديَّ الحضور.

-ما ميزّ قصيدة” دفاتري” ؛هي المقاربة الشعرية التّي عكست أسلوب الشاعر الرّاحل “نزار قباني” لروحه السّلام في قصيدته دفاتري تعبت!؛ بين المجاز والمعنى الحقيقي للقصيدة” تعبت، ودفاتري تعبتْ”؛ لمّا تمعنت في القصيدة وقرأتها لأكثر من مّرة، شعرت أن الشاعرة بداخلها مرتّ بمواقف صعبة خلال حياتها أهمّها وفاة ” الحب في حضرة الكذب”، ولا أخفيكم بكيتُ لما قرأتها، لأن عاطفة الشاعرة وصلني صدقها، وقلّما يصلني صدق الشعراء خاصة، رغم أنها مناظرة شعرية بين قصيدتين رومنطيقيتين؛ اعتبرت أن الحب مكان لا يجب العبث فيه لما قالت:

“أقرأ قصائدَ الحبِّ لأنّي يا حبيبي… 

أعلمُ أنَّ الحبَّ يزهرُ من فوهاتِ المدافعِ”!

-إضافةً إلى استخدامها أسلوب الغزل الصريح والإسهاب في القسم والذي يعد نمطا من أنماط الأساليب الإنشائية غير الطلبية؛ في قولها:

– يا حبيبي؛

 سأشهِدُ اللهَ على مواثيقِ هوانا…

 ! سأقسمُ لك في حرمِ العاشقينَ 

أن أسكنَكَ خلفَ أضلُعي مدى الحياة، 

وأغفوَ على وسادةِ الهوى؛  

حالمةً بدفءِ يديكَ.

– كما تميّز أسلوبها في الكتابة باستخدامها التعبيرات الصريحة والجريئة المتحدية، الأمر الذي جعلني أعتبر قصيدتها مثيرةً للجدل في المجتمعات العربية وخاصة مجتمعات الواحات والصحاري التي ترفض جهر المرأة بحبها لرجل عن حياء طبعا؛ كونه معصية وتجرد المرأة من ثوب حياءها وفضحٌ لعورتها؛ رغم التكرار المتواصل لبعض الألفاظ إلا أن البُنيات الأسلوبية والفنية التي استخدمتها الشاعرة في كتاباتها بهدف التأكيد على فكرة معينّة؛ وجعلها جوهر عملها الشعري؛ وهذا لما لظاهرة التكرار من أثر واضح في معنى الشعر ومبناه، ورفده بالبثّ الإيحائي والجمالي، وإثراء شعرية النص التي تُعتبر أقرب الأجناس الأدبية إلى الإيقاعية، وهذا في قولها:

-“سأشهد؛ سأقسم، حالمة ،وجه القمر، أقلب الصفحات”…

-حيث ترك تكرارها لهذه الألفاظ أثراً موسيقياً على النص الشعري؛ إذ أن المتلقي للقصيدة أثناء إلقاءها على مسرح ما؛ تشعر به الأذن وتنفعل معه الوجدان، وهو ما ميّز القصيدة الشعرية ، ويُمكن اعتباره تكرار بسيط بهدف التأكيد على أهميتها؛ هذا النوع من التكرار في علوم البلاغة لا يعتبر إطنابا كما في النثر وهذا للضرورة الشعرية؛ كتكرار أسماء الأعلام خاصةً في قصائد الرثاء أو تكرار أسماء المدن أو الرّاحلة، وتُعدّ هذه القصيدة عنوانا لتحمُّل المرأة العربية قسوة الفراق!؛ الإنسان لا يشعر بنفسه إلا حينما يحب ويفارق المحِبَ ،عندها يشعر بفقدانه لذاته في غيابه! ؛وهذا جليٌّ في قولها:

دفاتري فيها تكتبُ الأوجاع  ؛

حبرُ الدّموعِ يسطّرُ آنينَ الماضي!

 في الصفحاتِ ينتصرُ الفراقُ!

-أعتقد أني هنا توقفت لسبب وجيه؛ حلاوة التشبيه، والدّقة في الوصف رغم بساطة اللغة الشاعرية النثرية….آه يا “فهيمة” أسرتني قصيدتك فعلا ،أعترف أمام القراء أنّها ليست سهلة كما ظّن قلمي! .

-إن التشبيهية التي تستخدمها الشاعرة في قصائدها “الحسينية” للتعبير مجازاً عن شيء معين بما يخدم النص وظيفياً، فقصيدة “دفاتري” كرّرت الشاعرة تشبيه الصوت لمشبه واحد هو المحبوب للتأكيد على تعدّد جمالياته وإعجابه به في قولها:

– ذاك القهرُ الذي يبيتُ ويستيقظُ على

 شرفاتِ القلوبِ؛

 ذاك  الظلامُ الذي وأدَ فرحةَ الصّباحِ…

 يا أيها الوترُ أوجعني.

-كما تميزت قصيدة “دفاتري” بالعطف التتابعي؛ كأن تقول:

يا حبيبي؛

 سأشهِدُ اللهَ على مواثيقِ هوانا.

  سأقسمُ لك في حرمِ العاشقينَ. 

-وهذا التوكيد اللفظي؛ للتأكيد على استمرارية العمل وإظهار المشقة والتعب والمعاناة التي تواجهها العاشقة لتحقّق ما يريده قلبها من حبيبه؛ لست أرى الشاعرة خرجت عن مألوف العشق المتعارف عليه، غير أن تصوريها العميق لحالتها وشعورها به جعلاني أراها خرجت عن المألوف في المعنى؛ وهذا ما يعرف بالانزياح اللّغوي في الظواهر الأدبية.

– الاستعارة: في قوها:

– أتسلّقُ جدارَ الحبِّ بلا تردد

-الالتفات في القصيدة؛ سمة أسلوبية استعانة بها الشاعرة حيث اعتمدت بشكل كبير على الضمائر، إذ إنّها تقوم على أساس الانزياح من ضمير لآخر من خلال التحوّل في الخطاب من أسلوب لآخر؛ كالتحول من المخاطب للغائب، ويهدف الالتفات إلى كسر الرّتابة ومخالفة توقّعات المتلقّي وهذا ما يدعى بعنصر التشويق الذي لا يقتصر فقط على الرواية القصة بل حتى الشعر يجوز استعمال التشويق فيه للفت انتباه القارئ وإثارة شهوة التقبل عنده، وقد استخدمت أسلوب الالتفات في قولها:

-“يا سيدي” تعود على ضمير المخاطب؛ ثم تنتقل بضمير المتكلم نحو ” أقلب، أتسلق، أرقبّ“؛  ثم ضمائر مضمرة في جمل ” إن الاحلام“، والتّي تعود على ضمير الغائب هي، ثم “يا حبيبي” على ضمير الغائب لأنّ القضية لم تنْظَمْ، في حضور الحبيب؛ ففي العادة العتاب والحزن لا يكون للمخاطب مباشرة، إنما يستعمل الشاعر ضمائر الغائب الظاهرة منها أو المضمَرة؛ يظهر أسلوب الالتفات من خلال الانزياح وإحضار صورة المرأة من الغائب إلى المخاطب، ثم المتكلم، لتنقلنا الشاعرة إلى الاعتراض، وهو إدخال وحدات لغوية على النص تكون غريبةً عن بُنيته ودخيلةً على دلالته، تُعطي القارئ شعوراً بالانقطاع عن الوتيرة التي ألفها منذ بداية قراءته للنص، ويُعدّ الاعتراض أسلوباً مهمّاً كونه يُعطي بُعداً دلاليّاً وقيمةً فنيةً للنص الذي يدخل عليه، ومن الأمثلة على استخدام الشّاعرة لأسلوب الاعتراض في قولها :

حبرُ الّدموعِ يسطّرُ آنينَ الماضي؛

 في الصفحاتِ ينتصرُ الفراقُ.

على قلوبِنا المعلّقةِ، وتنتظرُ مدامعُنا يومَ اللّقاءِ.

-أجد أنّ اعتراضها هذا يجعلني أرى لغة تثير شعور الفضول لديَّ كقارئة وكالمستمع المنصت، إذ أنّ هذا النوع من التشبيه يندر استعماله، كلفظة الدّموع حبر، أصلها الدّموع كالحبر؛ ثم تخبرنا أنّ الفراق ينتصر كأنّما الفراق هنا منجاة لها، وسلاح قوة لا ضعف كما تعودنا عليه في قصائد الوداع والفراق من تلك التي تصنف في قصائد الرّثاء، وقصائد الحب؛ ثم تقول أن المدامع تنتظر يوم اللّقاء؛ هذا التناقض المريح هو تعارض لغوي يجعل من القصيدة لم أألف سماعها من قبلُ؛ كونها تناولت مواضيع وقضايا المرأة بفكر تحرّري ومشاعر انفعالية وجدانية، مستخدمة مفردات وألفاظ جريئة فيها تمرّد واضح على القوانين الاجتماعية المفروضة في المجتمعات العربية عامة…

-يقول قلمي لك في الأخير سيدة الحرف الوسيم:

– الشاعرة أسهبت في استعمال الصور الفنية لاعتمادها على صيغ المبالغة والخيال بشدّة، وحتّى يعكس التشبيه توظيفاً مميزاً للانزياح يجب أن يكون جديداً وغريباً ويُحدث الدهشة للمتلقّي والقارئ، كما استعانت بالقمر للدلالة على تبعثر العاطفة وتموّجها، وبالليل للدلالة على شدة حزنها؛ كما لم يخلو نصها من الكناية، والتّي تُعدّ انزياحاً، لأنّها تتضمّن عدولاً عن المعنى الصريح إلى ذكر ما يلزم فقط من هذا المعنى، ولكنّها أقل انزياحاً من الاستعارة، في قولها:

-حالمةً بدفءِ يديكَ؛ 

 -حالمةً بيومٍ يكونُ فيهِ السَّلامُ،

 أبديَّ الحضور.

-كناية عن الاشتياق، والرّغبة في اللّقاء.

* الانزياح التركيبي:

-ركزت الشاعرة على تغيير مواقع الوحدات الكلامية الأصلية في النص الشعري، وذلك من خلال قولها:

حالمةً بدفءِ يديكَ؛

 حالمةً بيومٍ يكونُ فيهِ السَّلامُ. 

أبديَّ الحضور.

-الجدير بالذكر أن الشاعرة والدكتورة “فهيمة الحسن” إلى جانب أنها شاعرة؛ هي مديرة تنمية بشرية ،حاصلة على ماجستير في الموارد البشرية ولها العديد من الإصدارات أهمها” كتاب إدارة الحياة،  وديوان شعري بعنوان  نثر يكتبني  حنيني ، ورواية بعنوان نور تبصر النور”.

أتمنى لك التوفيق في مساريك الأدبي والاجتماعي الأكاديمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى